من فترة طويلة لم أنهي كتابًا ما، أحاول جاهدًا قراءة كتاب كامل حتى يصيبني الملل والإجهاد ثم أقف حينها؛ غالب الظن أنني فقدت لياقة القراءة وأنا المتمرس فيها "سابقًا"
اليوم أعود مجددًا لها وأنا مشتاق لفعل القراءة، قرأت لكن بوعي وتخطيط، وضعت لنفسي معايير الكتاب مثل أن يكون عدد صفحاته قليلة، باللغة الإنجليزية ويسهل قراءته والأهم من ذلك يتمحور حول موضوع يهمني وأجد متعة فيه.
بحثت عمّا يمكنني قراءته خلال يوم كامل وحسنًا فعلت إذ وجدت ضالتي في نهاية المطاف ووصلت إلى ما أصبو إليه لقصة قصيرة عن النجاة من الاكتئاب، للكاتبة الأمريكية شارلوت جيلمان ونشرتها في عام 1892 حيث تصنّف القصة كأحد أبرز أعمال الأدب النسوي، لأنها تحكي تجربتها في اكتئاب ما بعد الولادة وملخصها بأن الكتابة كانت هي المنقذ لها لا الأدوية ولا الخطة العلاجية التي تتبعها من قبل زوجها الطبيب جون، رغبتها في الكتابة يجعلها ترتّب أفكارها رغم معارضتها من زوجها بحسب قوله بأن موهبتها في الكتابة والتخيّل يزيد جهدها وإرهاقها وبالتالي الابتعاد عنها لفترة هو الأفضل لها.
قرروا الانتقال مؤقتًا للعيش بعيدًا عن المدينة في قرية صغيرة وبيت صغير، وورق حائط أصفر ممل، قبيح ومثير للأعصاب ومشتت العين يتواجد في إحدى غرف البيت، تقول لو كانت درجة هذا اللون يوجد في مدارس الأطفال لأصابهم الاكتئاب مبكرًا. لاحقًا تذمرت لجون عن ورق الحائط الكئيب باعتقادها أن هذا سبب يزيد من سوء حالتها الصحية، وعدها بتغيير ورق الحائط في البداية ولكن اعترض لاحقًا بأن هذا الفعل سيزيد سوءًا لأنها سمحت لهذه الأفكار من التغلب عليها، ولأن الفكرة تأتي بعدها فكرة سيحين وقت تغيير السرير الثقيل والنافذة المسدودة وغير ذلك، أقنعها كلامه لكن حدسها مخالف ذلك.
مضت الأيام في محاولة لنسيان لون الجدار لكنها في النهاية استسلمت وعادت تحوم حول فكرة الجدار مجددًا في كل مرة تواجهه، أعقبها ذلك مزيد من التفكير والتأمل في التفاصيل غير المتقنة التي تشوّه المنظر؛ كان الجدار بمثابة اختبار لها ثم ما لبثت أن تحوّلت مع الوقت إلى مرآة صامتة لفوضى روحها. كانت ترى في الجدار كل ما حاولت الهرب منه؛ الألم، الخوف، الماضي، والانكسارات التي ظنت أن تجاهلها كافٍ لدفنها. كانت تعاني من التراكمات التي لم تستطع تجاوزه.
درجة اللون الأصفر القبيح بالنسبة إليها كان يمثّل لها الخذلان عندما أهداها حبيبها السابق كتابًا عن التفاؤل ذو خلفية صفراء، اللون الأصفر باعتقاده لون الشمس والذهب والتفاؤل لمستقبل مشرق وأيامًا مشرقة لكنها لم تكن كذلك بالنسبة لها، كان يقول لها باستمرار: متى ما فقدتِ بوصلة شغفك؛ ارجعي إلى هذه الكتاب فحسب. لم يكن محتواه مؤثرًا مطلقًا لكن رمزية الكتاب من وجهة نظره هي في اللحظة التي جمعتهما حينما قرأ لها اقتباس لكاتبه المفضل دوستويفسكي: “كلما كانَ الليلُ أظلم، كلما كانتْ النجومُ أكثرَ سطوعاً .. كلما كانَ الألمُ أعمق، كانَ اللهُ أقرب”
ما إن شخَّصت مشاعرها وأدركت بعقلها الباطن بعد سنوات من ذكرياتها معه، كان لزامًا عليها من التعرِّي عن مشاعرها المكبوتة بالقلم والورق، الكتابة جعلتها أكثر خفة مما كانت عليه، استطاعت ولأول مرة أن تكتب ما يستوجب قوله بعد أن فات الفوت، كان حدسها صائبًا من البداية: الكتابة تخفّف من وطأة حمل الأفكار والكلمات والمواقف والذكريات التي لم نستطع قولها في وقتها اللازم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق