الأربعاء، 11 نوفمبر 2020

يوم غير اعتيادي

 لم يكن يومي اعتيادياً – أي روتينيّاً – كباقي الأيام.
كان مختلفاً للحد الذي أستطيع به رؤية الأشياء بشكل مختلف.

على الرغم من أنّني أرتدي نفس النظارة ونفس العدسة الزجاجيّة التي ارتديها كل يوم، مع ذلك كانت تفاصيل الحياة أكثر وضوحاً وربما أكثر بهجة.
حتى جاري الذي اعتدت مناكفته في الصباح لم يتكرر هذا الفعل ولأول مرّة.
شعرت وقتها بشعور غريب لم اتكهّنه للحظتها، الغريب في الأمر أنه بادر بالسلام من تلقاء نفسه.
وتأتي تلك التساؤلات المبعثرة تقتحم عقلي فيما إن كان مريضاً أو حزيناً لوفاة قريب له أو ربما قد سرّح من عمله مما عكّر صفوه وبعثرت أحلامه وخططه التي تنبّا بها مسبقاً نتيجة عارض ما لم يكن في الحسبان، وهذه الأفكار إنما أتت نتيجة ملامحه المتجهّمة عدا ذلك لافترضت النقيض تماما من السعادة والبهجة.

وأنا على هذه الأفكار يأتيني اتّصال مباغت من صديق طفولة لم نكن على وفاق حينها عدا أن الحياة تفعل فعلتها في المفاجآت وتتحوّل تلك العلاقة الرديئة والمشحونة بالغضب والمنافسة إلى علاقة واعية تتميّز بوجود أرضيّات مشتركة يكمّل فيها أحدهم الآخر.
سألني عمّا إن كنت متفرّغا في المساء حتى نستكمل الخطّة.
وأنا أفكّر بصوت منخفض عن الخطّة التي يقصدها؟ إذ أن الخطط فيما بيننا كثيرة والتي ننوي استكمالها خطّة تلو خطّة؛ والحقيقة فإننا نكمل بعضها ونتوقف عند بعضها متى ما طرأت فكرة أفضل!
ذلك الاتصّال أيضاً كان مختلفاً.
لم يرسل رسالة جامدة كعادته في التواصل وإنما اتصّال هاتفي بدأ حديثه بعبارة: اشتقت إليك. آمل بأن تكون متاحاً الليلة على أمل أن نلتقي في المساء، لديّ ما يسرّك ويبهجك، يكفي فقط أن تكون على الموعد في نفس مكاننا المعتاد، ويختم حديثه : متشوّق لضحكة عينيك بعد سماعك الخبر، كن بخير يا عضيد.

وأنا في طريقي إلى الخارج وجدّت الزهرة البيضاء والتي اعتني بها في كل صباح وجدتها اليوم مبتسمة. نعم زهرة تبتسم لي لكن لأول مرّة!
والقطّة الأم التي تعيل قططها الصغار وجدّتهم حولي جميعهم ينتظرونني حتى أناولهم طعام الإفطار ومواءهم وأصواتهم كانت أيضاً مختلفة على غير عادتهم.
كانوا مختلفين.
كانوا بحاجة إلى اللعب وبعض التطبيب اللطيف التي تشعر معها القطط بالأمان والسكينة. فعلهم كان إشارة على أنهم يبادلونني الحب وأنهم بذلك يشاركونني ذلك الاهتمام وذلك الأمان.

أ تعلمين ياحبيبتي لم كان يومي مختلفاً؟
بسبب الرسالة التي استقبلتها منك اليوم والتي تقول:
وأنت في أسوء أحوالك، وفي أحلك ظروفك وفي أشدّ معاركك العقليّة والنفسيّة التي تخوضها منفرداً و لوحدك .. تذّكر بأني أحبّك للحد الذي ينتشلك من غمامة السواد التي تحاصرك إلى نعيم الطمأنينة .. تذّكر جيّدا بأنّي سأقاتل وسأحارب معك وفي كل وقت.
أحبّك. 

السبت، 7 نوفمبر 2020

لم يخذلونا بل كنّا حمقى

 أفضل درس مجّاني ومدفوع التكاليف ويغنيك عن ألف دورة ونصيحة يمكن أن يتعلمه إنسان على وجه الأرض هو درس الخذلان. درس مهما قرأت عنه، ومهما كنت تحمل من الذكاء الشيء الكثير ومهما سمعت من تجارب الآخرين إلا أنك لا تتعلّمه إلا بعد أن تدفع ثمنه من الألم والحسرة وقد يستمر كندبة مخفيّة أو تظهر عبر سلوك عدواني ناتج عن حماية لا إرادية من درس آخر محتمل أو ربما تمتلك الإرادة الواعية لتجاوزها بحنكة وبأقل الأضرار.

ويأتي نتيجة سببين اثنين واضحين وضوح الشمس:
- الخبرة الغير كافية
- رفع سقف الطموحات

احفظها جيّدا وأعدك بألا تٌخذل مجدداً طيلة سنوات حياتك الباقية.

ما سبق هو أمر بديهي ندركه بالتجربة.
لكن اللابديهي في الأمر وكعادتي في الكتابة وتحرّي وانتقاء زاوية تفكير مختلفة واستثنائية هو الجواب على سؤالين اثنين:
- لماذا نكرر نفس التجربة أحيانا باختلاف معطياتها؟
- كيف نتجاوز الألم بأقل الأضرار؟

دعونا يارفاق نصمت دقيقة صمت حداد على جميع أولائك الذين خُذلوا بغضّ النظر عن الأسباب والظروف والمعطيات عدا أن الموقف يستدعي معه التعاطف كشعور إنساني حيّ أو ربما تجسيد لنظرية اجتماعية تعرّب وتعرّف بالكلب المستضعف (The Underdog Effect)
بالتالي الشماتة في هذا المقام حتى لمن مارس دول الخاذل ودارت عليه الدنيا وأصبح في موقف المخذول به هو أمر خطير ننأى عنه كسِمة حلم وعقل نسعى الوصول إليه.

وبالتالي وحتى نستفيض في الشرح فإن العادة قد جرت فإننا نعيش ونتعايش في حياتنا ضمن مبدأ النفعية القائم بالأخذ والعطاء عدا إننا في بادئ الأمر نتحرّى عن الأشخاص وفق معايير مثل: اختبارات وسلوكيات وأحاديث تقيّم مدى حسن أو سوء الشخص من خلال الأفعال، المبادئ، التصوّرات والأرضيّات المشتركة التي تمثّلنا بالضرورة وقد تنجح وتفشل تلك العلاقة مع الآخر بحسب قوّة وضعف المعايير وهنا تكمن الصدمة.
الإنسان هو كائن اجتماعي رغب بذلك أم لم يرغب، طوعاً أو كرهاً المهم أن يدرك الحد الأدنى من واجباته وحقوقه تجاه الآخر (ماله وماعليه) ومن هذا المنطلق فإن تقديم الحد الأدنى لا ينتج عنه تطوّر للعلاقة التي تأخذ مجراها مع الوقت سواء كان ناتج عن عدم اتفاق المعايير أو خوف من الخذلان ولذلك نجد أنفسنا نستجيب لعاطفتنا ومنطقنا بأن المضي قدما لطور العلاقة تستحق التجربة مع استيعاب حسناتها وسيئاتها ولذلك نعيد ونكرر نفس التجربة باختلاف معطياتها.

أمّا جواب السؤال الآخر فهو أكثر صعوبة لما يحمله من آثار نفسيّة ومنطقيّة لها تراكماتها على المدى البعيد، وجواب لسؤال كيف نتجاوزها فهو معضلة مازلت أعيشها ولم تسعفني خبرتي الحياتية لإدراك هذا الجانب العميق ولذلك فأجد نفسي متورّطا إلى هذا اليوم وهذا العمر في كشف دهاليز الجوانب العلاجيّة لأن خبرتي فيها تخذلني وبكل أسف.

الحياة تستحق التجربة في أي علاقة كانت.
المهم والأهم ألا ترفع سقف الطموحات وأن تتوقع الخذلان ولا تسلك سلوك الحذر الخائف مما قد يصيبك لأنها تفقد بريق وجودة العلاقة في وقتها.
ثق بالله أولً وآخراً، وثق بنفسك واستمتع بالحياة كما ينبغي.

الجمعة، 6 نوفمبر 2020

كافكا وشعلة النار

ضمن رسائله التي كتبها إلى حبيبته ميلينا.
يبدأ كافكا باستعراض أدبيته في عدم جدّيته للخوض في أي علاقة حب نتيجة تجارب حب فاشلة وخيبات أمل كثيرة جعلته يعبّر عما يختلج في وجدانه دون أن يعبأ للعواقب وربما الفرص الجميلة التي يمكن بسببها أن يفقدها جرّاء طيش وتبلّد: 
"لن تستطيعي البقاء إلى جانبي مدّة يومين، أنا رخو، أزحف على الأرض. أنا صامت طول الوقت، انطوائي، كئيب، متذمر، أناني وسوداوي. هل ستتحملين حياة الرهبنة كما أحياها؟"
ثم يقول بجملة صريحة لا تتطلب التأويل: "لا أريد تعاستك يا ميلينا، أخرجي من هذه الحلقة الملعونة التي سجنتك فيها، عندما أعماني الحب"

ويأتي ردّها البارد: " وإن كنت مجرّد جثّة في العالم؛ فأنا أحبك "
هذا السيناريو وهذه الحبكة هي نتيجة وعي وإدراك متأصل لكليهما وفي فهم الدواعي النفسيّة فيما وراء تلك الرسائل.
ثقة مفرطة، تفهّم، احتواء وتقبّل الآخر بسجيّته لا كما يرغب به الآخر.
هذا الحب يتجسّد بأحد رسائله عندما كتب: " مجرّد أن أكتب لكِ يهدأ عقلي"
أحبّت أفكاره رغم ظلاميتها وضوضائها وعبثيّتها .. أحبّها أنثى وكاتبة أحبّها نفس وعقل.  
 
فرانس كافكا الروائي التشيكي السوداوي ورائد الكتابة الكابوسية والقاصّ للمشاهد السريالية هو أكثر من يبدع في تناقضاته الصادقة.
تناقضات تحمل في كينونتها المشاعر الحقيقية.
ينتمي إلى عائلة يهودية وأب متسلّط، هذا التسلّط سبّب لكافكا شخصية مضطربة جعله يكتب كتاب أسماه " رسالة إلى أبيه "
نشأ حينها نشأة طبيعية من حيث الحياة العلمية والعملية عدا أن حياته النفسيّة والاجتماعيّة كانت في أوج اضطراباتها، الأمر الذي ساهم في خلق هذا الكاتب السوداوي المبدع، الذي عبّر عما يختلج مشاعره واضطراباته بل وازدراءه لذاته إلى مؤلفات روائية وقصص قصيرة لم تنتشر معظمها إلا بعد وفاته، ولم تكن لتنشر لولا وصيّته التي من سوء حظه وحسن حظّنا بأنها لم تنفّذ ووقع حينها تعنّت من صديقه ماكس برود الذي نشر جميع مخطوطاته وأعماله المكتملة وغير المكتملة المخالفة لوصيّته.

شعلة النار هي من أشعلت حياته وأنارت طريقه وأغدقت عليه المشاعر من فيض الحب.
شعلة النار هي من زرعت في قلبه البذرة واعتنت بها كما لو أنها تستثمر في حديقة زهور مثل التي نجدها في حديقة كيوكينهوف في هولندا.
شعلة النار رغم كونها مسيحية وهذا التعارض في الدين والقومية لم يكن ليعترض طريق القلب.
كانت ميلينا تعمل كمترجمة لكتبه ورواياته للغة التشيكية!
كافكا التشيكي الأصل لم يكن ليستمتع بلغته التشيكية أكثر من الألمانية والتي بها برز.
أحب عملها جداً ولقبّها بشعلة النار.

لم يكن كافكا بالشخص السهل المعشر والذي يميل إلى تكوين العلاقات والمنفتح القلب والخاطر وإنما على النقيض تماما وهذه الشخصيّة على صعوبتها جعلته ينظر للأمور من زاوية تفكير مختلفة تجسّدت في قلمه المبدع وهنا الحقيقة الغائبة في تصوراتنا وتعريفنا للفن والإبداع؛ هل هو بالضرورة الأدب الرخو، الإيجابي والممتلئ بالأفكار والمفردات الإيجابية والنهايات السعيدة أو مصدر آخر نستطيع به أن نعبّر عنه دون خجل وحياء ولكن بالذكاء الذي لا يجعلنا متورطين بسببه ولكن يعكس بالضرورة مدى الإبداع الذي نشعر به في الاستعارات والرمزيات وربما في تشابه القصص والتجارب، ولم تكن الحياة لتستقيم لولا التنازلات وفق مبدأ الأخذ والعطاء للمنطق البشري عدا أن الممتنع يفقد نصيبه من الأخذ بمطلق الأحوال وهذا ما فعله كافكا ونيتشه ومبدعون آخرون آثروا على أن يثقوا بذواتهم الثقة المفرطة، ضاربين بعرض الحائط الانطباعات التي يستقبلونها عن شخصياتهم المريبة وكان لهم هذا الزخم وهذا الاحتفاء ولكن بعد الممات.

كان يقول لها باستمرار: "حياة الكاتب تبدأ بعد موت مؤلفه، أو بالأغلب بعد وفاته بفترات، فأولائك الرجال التواقون يحاربون من أجل قصصهم وحتى بعد موتهم، لكن حينها فقط يترك الكتاب لوحده، ويبدأ يستمد القوّة من ضربات قلبه"
مات كافكا بعمر الأربعين، ونبضت مؤلفاته لتدرس في الجامعات ولتكون قصّته معها قصّة وحكاية تنبض بالحب والعشق حتى بعد مماته.

الاثنين، 12 أكتوبر 2020

ثلاثة رجال

في قصّة كنت قد سمعتها مؤخرا عن ثلاثة رجال كانوا قد ابتلوا بابتلاءات مختلفة، فالأول كان أبرصا والثاني أقرعا بينما الأخير كان أعمى. فزارهم مَلَك يسألهم جميعا هذين السؤالين.

ما هي أكثر الأشياء أحب إليك؟

أي الماشية أحب إليك؟

فقال الأول: جلد ولون حسن فقد قذرني الناس بسببه، وأحب الماشية هي الناقة.

وقال الثاني: شعر حسن فقد قذرني الناس بسببه، وأحب الماشية هي البقر.

 وقال الثالث: أن أستعيد بصري، وأحب الماشية هي الغنم

فأعطي كلّ منهما سؤلَه.

مرّت السنوات وهم في زحام من النعم بل وتكاثرت المواشي والأموال لدرجة أن أصبح لديهم واديا كاملا بحسب الماشية التي اختارها كلّ منهم.
حتى عاد الملك.
ولكن بصورة مختلفة، لكل منهما ما كان عليه في السابق.
فجاء إلى الأول بصورته القديمة الأبرص الفقير فقال له:تقطّعت بي السبل وليس لي نجاة إلا بالله ثم بك، فأعطني مما أعطاك الله.
ثم سأله أن يعطيه ناقة يتبلّغ بها في سفره.
ولم يعطه. فقال له المَلَك:
 ألم تكن أبرصا يقذرك الناس فشفاك الله؟
وفقيرامعدما فأغناك الله؟

أنكر الرجل عليه ذلك وجحده وقال له : الحقوق كثيرة وإنما ورثت ذلك من كابرعن كابر.
وجاء إلى الثاني وسأل نفس السؤال ووجد نفس الجواب.
حتى جاء إلى الثالث وسأله نفس السؤال عدا أن الأعمى لم ينكر ولم يجحد وقال له خذ لك ما بدا لك فقد كنت أعمى ورد الله إليّ بصري وكنت فقيرا فأغناني الله.
فعاد الرجلين الأولين إلى وضعهما كما كان بالسابق (أبرصا فقيرا، وأقرعا فقيرا) واستمر الأخير ببصره ورزقه.
هذا حديث شريف رواه البخاري ومسلم عن ثلاثة رجال من بني إسرائيل، ولم تكن مجرّد قصّة عابرة.

يحدث كثيرا أن نغفل ونجحد مما نحن فيه من النعم الوافرة المحسوسة والغير محسوسة أي التي لا ندركها في وقتها مثل العافية والصحة بينما نستشعرها مع عارض بسيط تنهك قوانا ويخور به نشاطنا وتجعلنا دمى لا نقوى على التفكير أو العمل.
والأدهى من ذلك والأمر أن نعتقد جازمين بأن ما نحن فيه هي نتيجة قرارات منطقية عوّلنا عليها وبذلنا فيها الأسباب وها نحن نجني ما حصدناه
!

هذا النص وهذه الخاطرة كنت قد عزمت فيها على تبرير المنطق العشوائي والجحود المتنامي خلف المعنى الجوهري في معنى الرزق، وإنما أردت في حقيقتها هو التذكير بحقيقتنا الدنيوية وإننا مجرد كائنات لا ترى أبعد من أنفها وإن إدّعينا المنطق واستحضرنا فيه العقل.
ولا يمكن لمسلم موحّد عاقل أن يزعم بمجرد الزعم أن ما يجنيه هي نتاج جهوده بصرف النظر عن الظروف المؤاتية والمعطيات الفعلية التي سهّلت له كل هذا الزخم وهذا النجاح.
حتى في الدول الغربيّة لم يكن أحدٌ لينجح لولا ورثٌ قد ورثَه أو مبادئ وقيم وجوبيّة قد أسقطها ليصعد ويتسلّق على أكتاف الضعفاء ناهيك عن الممارسات والحيل التي نعلمها مثل استغلال الجهود البشرية و حتى التي نجهلها أو توفيق سماوي ميتافيزيقي ناتج من فعل وردة فعل، ولا يمكن بكافّة الأحوال أن نقارن نجاح فرد استطاع أن يتغلب على صعوبات جمّة في فانزويلا مثله مثل من نجح في أمريكا أو الشرق الأوسط، وهذا لا يلغي طموح وتعب سنوات أبدا وإنما المعادلة تقتضي خلف كل نجاح جهد لكن بعد توفيق الله أو الإله أو الكون والطبيعة أو ...

وللنظر للأمور من زاوية عقلانيّة محضة ولنسلّم جدلاً بأن الناجح نجح في تكوين ثروة جرّاء جهوده الخارقة ألا نستطيع أن نتساءل عن ماهو نموذج العمل الأمثل لتحقيق الربح دون الخضوع للحكومة وممارساتها؟
أو دون الاستعانة بخدمات واستثمارات رجال أعمال آخرين لا يعلم عن مصدر أموالهم، وإذا افترضنا بأنه لم يستعن بهم وإنما عرضها على سوق المال والبورصة فما هو حجم رؤوس الأموال التي يستطيع جمعها؟      
ولا نستطيع أن نحكم حكم قاطع على سوء وفساد دون أدلّة بطبيعة الحال ولكن لا يقبل منطق أو عقل أن ينجح إنسان على وجه الأرض بنجاح مادي أو معنوي دون أن تخدمه الظروف أو التوفيق بتعبير أدق.

الجمعة، 2 أكتوبر 2020

هل أنت فريسة أم صيّاد؟

يحدث كثيرا أن نَظلم أو نُظلم جرّاء منطق نعتدّ به.
وما هو المنطق سوى آلية تفكير ومنهجية إتّباع أدّلة عقلية للحكم على فعل ما.
وهذا العرف في التحليل والحكم هو مدرسة فلسفية قام بها فلاسفة أثينا بدأ من أفلاطون.
أفلاطون الذي كان منظّرا من الدرجة الأولى، الفيلسوف الذي حُكي عنه يوما ما أنه اختلف مع فلاسفة آخرين لمعرفة عدد أسنان الحصان!
فأخذ بعقله يحسب حساباته المبنيّة على تفكير منطقي لطول وعرض السن الواحد ومجموعها ليصل إلى جواب قطعي لا جدال عليه، في حين كان بالإمكان الذهاب إلى الحصان مباشرة وعدّ أسنانه دون مبالغة وتنظير ولكنها الفلسفة الذي سعى إليها وطموحه في تأسيس دولة فاضلة لا يحكمها إلا الفلاسفة!

المنطق لعنة متى ما وظّف بمنأى عن عوامل أخرى مثل المبادئ والقيم.
ننظر وقتها للأمور من زاوية مزاجية ولكن بمبرّر عقلي.
في جميع الأصعدة المختلفة: السياسية ، الاقتصادية والمعاملات الحياتية..
هل حرّر أبراهام لينكون العبيد لإيمانه بمبدأ المساواة؟!
هل الأعمال الخيرية لمشاهير المنصّات الإجتماعية منبعها الخير المحض أو تسويق الذات؟!
هل تعاملاتنا الشخصية مع الآخرين مبنيّة على أخذ وعطاء؟ وهل الأخذ مثل العطاء؟ وهل تم نتيجة منطق الإنسانية ومنطق العقل أو نتيجة استغلال ظروف قاهرة وجشع مستميت؟

الحياة وأسلوب معيشتها لا تبنى على المنطق وحده، بمعزل عن الاعتبارات الأخلاقية.
تلك الاعتبارات تكمن بدرجة أساسية في التعامل مع الآخرين من منطلق قوّة أو ضعف بحسب المنصب المصاحب لمتخذّ القرار؛ فإن كان في حال قوّة فهل راعى الله في حق ممن هو دونه؟ وهل الضعيف طالب ودافع عن حقّه بالطرق الشرعية السلميّة دون تخريب أو إيذاء؟
في الحديث الشريف عن النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " لا تسأل الظالم لم ظلم ولكن إسأل المظلوم لم سكت "

ولأن الحياة غير منصفة في هذا الشأن.
فليس الكل قادر على البوح بدوافعه أو ربما لا يمتلك الأدوات الأساسية للدفاع في ظروف مغايرة ولبيئة قد لا تتّسم بالديموقراطية الحقيقة التي من شأنها أن يعترض دون أن يخشى العواقب المترتبة بعد ذلك..
هل يجرؤ أحد أن يعترض على الأفعال الصادرة من الحكومات المستبدّة مثل الشيوعية مثلا؟!
ماذا عن الشركات البيروقراطية أو العائلية ربما؟!

ولذلك فإن المنطق السديد في ذهني هو من خلال ألا نرى الأمور من زاوية واحدة، دون أن نستعين بخطوة للخلف وننظر إليها من زوايا أخرى تساعدنا على الحكم بمنهجية أوضح، في المقابل لا تتّضح تلك الزوايا المختلفة دون أن نسمع وجهات النظر الأخرى أو ما هي دوافعها وأسبابها ولكن هل نصدُق دوما في معرفتها والعمل عليها؟
إلى جانب استراتيجية فعالّة في اتخاذ القرارات وهي تصنّع دور القاضي أو المحايد.
ماذا لو كنت في مكانه، هل سأفعل هذا الفعل؟
تبديل الأدوار لا يعني بالضرورة استحضار تجارب سابقة والعمل عليها وإنما تصنّع دور الآخر والتفكير بما يتناسب مع مبادئ الشخص ولكن بظروف الآخر، على سبيل المثال: لو كنت تمتلك صلاحيات كثيرة ومسؤوليات على نفس القدر من الصلاحيات، أيّ القرارت هي أنجح وأنجع بنظرية الثواب والعقاب؟
متى أعطي ومتى أمنع؟ متى أمدح ومتى أوبّخ؟
وهكذا دواليك..

قال لي حكيم يوما ما وهو رجل أعمال أيضا: نشعر بأننا مظلومين عندما لا نفعل اللازم للمحافظة على الشيء، نتيجة تقصير بالضرورة، ومتى ما قصّرنا فيه وعوقبنا بسببه حينها تقوم القيامة ولا تقعد. ثم يختم : لا نخاف الله إلا بعد ما نتجرّع المرارة بسبب أفعالنا الهوجاء. أين مخافة الله عندما قصّرنا؟!
هذا الكلام منطقي لأبعد درجة ممكنة عدا أن الحكيم نسي سهوا أن يقول: ما هي الدوافع الممكنة للتقصير؟
فعندما ننظر للأمور من زاوية التقصير ينبغي علينا أن ننظر للأمور من زاوية المنفعة المترتبة على الجميع، من ناحية التاجر ومن ناحية الموظف.
لا نعيش الآن حياة إقطاعية يستبدّ فيه التاجر بشتى الوسائل والطرق طالما كان ممتلكا للقوة المالية والسياسية من حيث أن الحكومة تقف في صفّه دون رادع، ولا نعيش بالمقابل حياة عشوائية يتساوى فيه الجميع.
وإن عشنا وفق بيئة حيوية وصالحة تضمن العدل والمساواة فلا بد من حيل واستثناءات لذلك.
يبقى المعيار الأساسي هو الضمير الحي الذي به يستبعد الهوى المتّبع وإن وظّف المنطق بحقّ أو بغير حقّ. 
حالة التذاكي والاستغفال والجشع أثرها قد لا تبدو واضحة في بداية الأمر ولكن تراكماتها تسبب حالة التبلّد و في خلق حالة جدل نفسيّة وفي التداعيات المستقبلية من ناحية الولاء والانتماء؛ الأمر الذي يساهم للعمل لأجل العمل دون أي طموح آخر. 
ينبغي على النبيه واللبيب أن يحكّم عقله وقلبه حتى لا يتعرض لمحاسبة ربّانية إلهية عادلة وأن يستخدم منطقه حتى لا يجد خصم في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم.

خلاصة الحديث..
 إن كنت في محل قوّة لا تدع لغيرك أن يستغفلك.
وإيّاك ثم إيّاك من الظلم فإنها ظلمات يوم القيامة، ولا تركن لعقلك ومنطقك دائما.
وما علامة ذلك؟ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " استفت قلبك وإن أفتوك وأفتوك " الحديث.
بينما إن كنت في محل ضعف لا تتنازل عن الدفاع عن حقّك طالما بذلت الأسباب وعملت ما يجب عليك فعله.
وإيّاك ثم إيّاك من تمثيل دور الضحيّة ودور الفريسة فإنها لا تليق بإنسان ميّزه الله وجعله خليفة له في الأرض.
ينبغي عليك أن تكون صيّادا ماهرا تصيد بذكاء وتعمل بدهاء وتنتج بما وهبه الله لك من جدّ واجتهاد و ألا تتنازل عن حقّك مخافة قطع رزق قد كتبه الله لك .. أنت قوي بالله وحده.

الثلاثاء، 29 سبتمبر 2020

وهلمّ جرّاً

.أجد نفسي مؤخرا مدفوعا للكتابة
بحرارة مشتعلة.
وكأن الحروف تسابقني مسار الجري.
حيث أنني بالكاد التقطها لأتفحّصها وأمحّصها وأدقّقها ثم أعيد صياغتها وتوظيفها من جديد.
أليس هذا ما يبدعه الكاتب؟!
خلق الكلمات؟
صنع الأفكار؟
وهلمّ جرّاً..

مايجعل حماسي أكثر اشتطاطا من ذي قبل.
لا سيما في الآونة الأخيرة.
هو لأنني أكتب مذكرات شخصية.
إرث ثقافي أعوّل عليه في المستقبل.
قد يبدو الأمر ساخرا ويدعوا للتهكم.
إلا أنني مؤمن بذلك.
هذا الإيمان وربما هذا التحيّز الشخصي.

هو ما يجعل فرد متفوّق على الآخر.
ليس بالنتيجة الظاهرة طبعا..
أي بعدد انتشار المدوّنة أو عدد متابعيها وقرّاءها.
وإنما بجودة تلك الأفكار.
وأفكاري التي تقرأها هنا وإن تكررّت أحيانا.
بصورة مملّة ؛ فهي أفضل بمراحل..
بسنين ضوئيّة عمّا تقرأه في معارض الكتب الساذجة.
لا سيما تطوير الذات وعلى شاكلتها.
حتى الكتب الفكرية المتأخرة ما هي إلا نسخ واستحداث للقديمة.
حتى الصحف الورقية ومواضيعها الروتينية ليست بذات الجودة العالية.
الأفكار مأساوية إلى درجة يشمئز معها العقل ومع ذلك نقرأ ولا نكتب.
لن تصل إلى مرحلة الضحالة الفكريّة طالما أنك قرأت بعض مما ورد في هذه المدوّنة.
لأنك عميق.
نخبوي.
وهلمّ جرّاً

يبدع درويش كعادته في استحضار همّ الكتابة ويقول :
" قال الغيب لي : اكتب !
فقلت : على السراب كتابةٌ أخرى
فقال : اكتب ليخضرّ السراب
فقلت : ينقصني الغياب 
وقلت : لم أتعلم الكلمات بعد
فقال لي : أكتب لتعرفها وتعرف أين كنت
            وأين أنت وكيف جئت ومن تكون غداً
            ضع اسمك في يدي وأكتب لتعرف من أنا
           وإذهب غماما في المدى 
فكتبت : من يكتب حكايته يرث أرض الكلام 
           ويملك المعنى تماما "

الإشكالية التي نقع فيها في الغالب.
هي ما نتوجّس به من خلال أفكارنا فيما إن كانت فعلا جديرة لكتابتها أو لا.
وتلك باعتقادي نابعة من عدميّة وعدم ثقة بدواخلنا.
من حيث أن الكتابة هي فعل مقدّس.
الكتابة هي فعل بريء.
لا يجدر بنا إلا لكتابة نصّ محكم متّزن يتفرّد عن غيره من النصوص.
وهذا محال.
الواقع المعاصر وأيضا القديم هو نموذج لسلسلة متكاملة من الأفكار.
نظريات متتابعة أو فلسفات مغايرة تمحو التي قبلها أو تستند عليها بحكم المنطق والعقل.
بالتالي الأفكار لا تفنى ولا تستحدث من العدم.
وكل فكرة هي بالضرورة مبنيّة على تجربة وقراءة منطلقة من الخطأ أو الصواب.

اكتبوا ولا تكبتوا.
طالما أن الكتابة متنفّس.
طالما أن الكتابة ليست أبدا فعل بريء.
طالما أن الكتابة تفضح عمّا نعجز عن قوله.
طالما أن الكتابة رسالة سامية ينتهي بها المطاف إلى فعل سامي مثل " إقرأ "
وهلمّ جرّاَ

الجمعة، 25 سبتمبر 2020

النخبوية المزعومة

لم أصنّف نفسي يوما بأنّي شخص نخبوي.
فرد مثقّف يتفرّد بالأفكار والاستشهادات العبقرية.
ولم أدّعي المثالية الساذجة والزائفة.
ربما أحمل زاوية تفكير استثنائية تميّزني عنهم. 
هذا التميّز وهذا التفرّد يخلق هالة خفيّة لا تدرك بالعين المجرّدة.
هي ما تجعلني بعيدا عنهم، وكأنني أنتمي إلى عوالم مختلفة.
ربما جئت من كوكب آخر غير الذي نعيش فيه.
لم أدرك ذلك بسبب نباهتي أو حذاقتي لكن الجميع من محيطي المقرّب يدرك ذلك.
هذا الشعور وهذا الإحساس بالضرورة يساهم في رفع حالة الأنا بداخلي.
غرور لذيذ متوّج بتاج العلم والثقافة.
وإن لم أكن أنا هذا الشخص وإنما فيما يراه الآخرين في.
هل يجدر بي إدّعاء الغباء وتصنّع الحماقة حتى أنتمي إليهم؟!

لم اقرأ لفيلسوف سبق زمانه وعصره أو مثقّف شطح بأفكاره الأزمان إلا ووجدت فيه خصلتين اثنتين :
- لا يعتدّ بتواجد الآخرين حوله.
- يتكيّف مع الغباء بصعوبة.
هذه الاعتبارات قد نجدها فوضوية نوعاً ما في حال ما قارنّاها مع قيم الفضيلة المتجسّدة في التواضع وطريقة التعامل مع الآخرين؛ على إن الفضيلة هي القيم المثلى والعليا للإنسان بحسب أيدلوجيته الفكرية والفلسفية.
فمثلا الرواقيون يستمدون فلسفتهم من نظامها المنطقي وتأملاتها على الطبيعة، كذلك تعاليمهم تنساق خلف كبح الشهوة وعدم الانقياد إلى اللذّة وبالحديث عن مقتضى العقل والمنطق فمتى ما وجد الضرر المحض والأراء المشوبة بالحكمة وجب على العاقل الحذر منها بكل الطرق السليمة.

لم أكن لأتبنّى ذلك النهج المتطرّف لولا أحاديث نبوية شجّعتني وحملتني على سلوك النهج الأوسط من حيث لا إفراط ولا تفريط.
" أحسنكم أحسنكم أخلاقا " ، " الدين المعاملة " ..  
لكن لنعود إلى نواة القضيّة.
وهي رؤية الآخرين لي وطريقة تعاملهم معي لا تتطلب التفكير الجاد والمبني على حدس ظنّي بائس وسيء
كل مافي الأمر أنّي لا أشترك معهم في أرضية مشتركة.
هذه الأرضية الخصبة التي نجتمع فيها مع الأصدقاء المقرّبين أو حتى الأصدقاء في الفضاء الواسع الخياليين الذين لا نلمسهم ولا نشعر بهم عدا تلك الأفكار والمناقشات التي نتناولها من حين لأخرى.

لا بأس من بعض المجاملات العابرة.
المجاملات التي لا نستطيع معها بأريحية كسر حالة الجمود والصمت الثقيل.
لكن لابد من رأيي الخاص ومن تجربة خاصة وقناعة راسخة ألا تتجاوز مدتها الثلاثون دقيقة للشخص.
حاول بعدها أن تفيض بالأسئلة التي تحتاج إلى إجاباتها من باب المعرفة لا أكثر.
مثل تلك الأسئلة :
ما هو هامش الربح للخدمات التي تقدمونها في عملكم؟
كم تبلغ ميزانية التشغيل والتسويق لديكم؟
ما هي الأفكار الإبداعية التي تمّ تنفيذها لزيادة المبيعات أو زيادة عدد العملاء المحتملين؟
هل أنتم بحاجة إلى صانع محتوى إبداعي يستطيع من خلال المفردات جذب العملاء واستقطاب المتابعين؟!
وهلمّ جرا..

وفي حال وجدت أن الإجابات لا تغني ولا تسمن من جوع.
أو لم تتم الإجابة عنها بتفاصيل أنا أبحث عنها، أبسّط تلك الأسئلة إلى أسئلة أكثر احتياجا لكن مع ذلك إجابات لا أعرفها.
الأمر دوما يستدعي في كيفية أن تسأل أسئلة ذكيّة.
والرغبة في استحضار الدهشة وممارسة الفلسفة من خلال أوسع أبوابها " البحث عن الحكمة "
مالم نبحث عن موضوع نستطيع جميعا الاشتراك فيه ومناقشتها بحماس مفرط..
مواضيع مثل : النسوية و تمكين المرأة – الزواج – المطاعم – الحفلات الترفيهية والأفلام الحديثة .. الخ

قال أحد الحكماء :
العقول على ثلاثة أنواع :
- العقول الكبيرة والتي تناقش الغايات.
- العقول المتوسطة والتي تناقش الأحداث.
- العقول الصغيرة والتي تناقش الأشخاص.
إن لم أكن الأول فلا يجب على الواعي العاقل أن ينحدر إلى أسفل السافلين ومناقشة الأشخاص بغير فائدة تذكر وغير "سنع"