الخميس، 16 يوليو 2026

البروباغاندا في المسلسلات الكرتونية!

 ملاحظة/ هذه الخاطرة خُصِّصت لجيلي شباب المستقبل والطيبين!


كل يوم  في الرابعة عصرًا عدا يومي الخميس والجمعة، عندما كانت الإجازة المدرسية في هذين اليومين وعادتنا في الجلوس أمام التلفاز لمتابعة المسلسلات الكرتونية على قناة شباب المستقبل (سبيستون) التي كانت تبث في البحرين ضمن بثَّها التجريبي؛ فتستيقظ مبكرًا في الصباح وتنام في العاشرة مساءً حيث ننام معها.
ذكريات جميلة وحانية تقبع في ذاكرتنا إلى هذه اللحظة مع الأهل، الإخوان، الجيران والأصدقاء في مشهد يعكس بساطة الحياة وقتها عند مشاهدتنا لمسلسلات الكرتون أو الإنمي بمسماها الجديد!

باكورة هذه المسلسلات التي جَسَّدت ذكرياتها هو الكارتون المستوحى من رواية ابن الطفيل حي بن يقظان، والمعروفة بفتى الأدغال ماوكلي، عفوًا أقصد طرزان أو كلاهما معًا.
فكلاهما تتناولان ذات القصة عدا أن المربيَّة تختلف ففي الأولى ذئب في الهند بينما عند طرزان ربّته الغوريلا في أفريقيا، وفي الأصل عند قصة الفيلسوف الأندلسي ابن الطفيل عندما كتبها منذ أكثر من 800  عام فالتي أرضعته وربَّته هي ظبية في جزيرة مهجورة وغير مأهولة بالبشر تقع قبالة سواحل الهند.
حي بن يقظان هي قصة تتضمن مفاهيم فلسفية وصوفية حرص معها ابن الطفيل عدم الخوض في الجدليات وما لا يتعارض به العقل والدين لكنها تخوض في عمق العقل الإنساني الباحث للحقيقة والتي تغمره نور العالم العلوي فيصل إلى حقائق الكون والوجود بالفطرة، وهذا هو جوهر القصة الفعلية بينما نتلقاها في أعمال أخرى مجردة من معانيها وقيمها، فماوكلي فتى الأدغال عندما كتبها رديارد كيبلينج عبر مجموعة من القصص مع تضمينها لرسوم توضيحية كان قد رسمها بيده والتي نشرت متواصلة في إحدى المجلات سنة 1893، ورواية طرزان سنة 1912 لإدغار رايس بوروس والتي اشتهرت فيما بعد في كتب الأطفال والمسلسلات والأفلام.
بالمناسبة كليهما يدعيان بأن القصتين هما من بنات أفكارهما ووحي خياليهما، ويا لخيالهما الخصب!
هذه إحدى البروباغندا الشهيرة والتي تُعرف بالدعاية، فليس الأصل هو الصواب أو الحقيقية دائمًا ولكن من يَدَّعي ذلك ويستطيع أن يوصل وجهة نظره بأي طريقة كانت سواء سياسية أو إعلامية وغيرها فهو معه الصواب أو كما قال وفيما يُنسب إليه ونستون تشرشل: "التاريخ يكتبه المنتصرون" فالمنتصر هو القادر على أن يتحكم بسردية القصة وتوجيهها وفق منظورهم الخاص بغض النظر عن صحته وحقيقته وصوابه.
بالتالي لا ماوكلي ولا طرزان يمثلان صميم حضارتنا بينما نجدها عند حي بن يقظان.

الأمر يتكرر مع الأبطال الخارقين "شخصيات مارفل" وقواتهم الخارقة، فالجميع لديه قوى خارقة عدا شخص واحد لا يمتلك قوى خفية ولكن خارقة اسمها المال ويدعى "باتمان" الرجل الوطواط.
قوة باتمان في المال؛ لأن المال قوة!
وهذه حقيقة لا نستطيع أن نغفل عنها في واقعنا الرأسمالي، ولعلنا نفسره أيضًا كامتداد لحديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف" وبذلك نستطيع تعليم أطفالنا وأنفسنا في المقام الأول بأن باتمان وإن كان تجسيد لشخصية خيالية إلا أننا نتعلَّم منه بأن المال يجعلنا أقوياء!
وتلك بروباغندا استطاع كاتب قصة باتمان بيل فينغر من إيصال رسالته بنجاح وبسلاسة يتقبلها الصغير قبل الكبير.

من منَّا لم يشاهد المسلسل الكارتوني العظيم كابتن ماجد ونقيضه الكابتن رابح على الرغم من أنها عملين يابانيين لكنها مختلفين في الجوهر؛ فالكابتن رابح يمثل الفردانية فهو اللاعب الجوكر فتجده ماهرًا في الدفاع وصناعة اللعب والهجوم والتسجيل، فهم يعودون إليه في كل مرة ولا يستقيم الانتصار إلا معه حتى منافسيه وخصومه انتقلوا فيما بعد لفريقه تحت قيادته هو لا أحد غيره.
بينما عند ماجد فالنجاح والفوز ليس مرهونًا به فحسب وإنما من خلال فريق متكامل يساند بعضه البعض وحتى خصمه بسَّام استمر منافسًا حتى النهاية، ولعلَّنا نشبِّه ماجد بالحكم الديموقراطي ورابح بالحكم الديكتاتوري وهذه المفاهيم والمصطلحات نستقيها من مسلسلات كرتونية تؤثر بنا وعلينا.

لذلك تفعل البروباغندا ما لا نستطيع مواجهته كتمرير أفكار تستقر في اللاوعي وتخدم بالدرجة الأولى كاتبها ومخرجها ومموِّلها، وكل هذا دون أن ندرك بأن بعضها يخالف قيمنا ومبادئنا وتقاليدنا وعدم معرفتنا بذلك تجعلنا منساقين لما هو متوفر .. أنا متوفر إذن أنا فارض للرأي؛ مقولة كتبتها بِتصرف لمقولة الفيلسوف الفرنسي ديكارت الشهيرة: " أنا أفكر، إذن أنا موجود".

وهنا أتساءل، لماذا لا نستطيع تقديم فكرة خيالية مشابهة مثلًا للرجل الأخضر ولكن وفق قيمنا النبيلة وأحداثنا الخليجية عن طفل يتيم يتجرَْع مرارة الحياة بمفرده وكلَّما غضب عليه أحد أو تنمَّر فبإمكانه استحضار قوة خفية يستطيع معها تحويل الغضب إلى قوة لمساعدة غيره وهو ما تعلَّمناه منذ الصغر في الحديث الشريف: "لا تغضب ولك الجنة"؟!

ليست هناك تعليقات: