الأحد، 20 يوليو 2025

٣٥ عام

 أبلغ الآن الخامسة والثلاثون.
٢٠ يوليو من كل سنة؛ أجد نفسي بالضرورة أكتب شيئًا ما.
حتى ولو لم أجد فكرة اكتبها، اجتهد أيَّما اجتهاد لكتابة شيء ما، لوضع بصمة ما.
أليست الكتابة فعل خلود؟!

كنت قد اعتدت الكتابة من فترة لأخرى لسنوات عدة عدا أني توقفت عنها لأسباب كثيرة، ولا أعني هنا الكتابة الإبداعية وإنما الخواطر التي لا يقرأها سواي؛ الخواطر التي لا تسمن ولا تغني من جوع.
أو ربما يقرأها لاحقًا من بعدي لكن بوعي وإدراك حمزة وحامد؛ ملائكتي الآن وطفلاي الصغيران.
في الحقيقة لم أكن أتصور يومًا بأن أتوقف عن الكتابة وها أنا أفعل، رغم اعتقادي بأنها أفضل وسيلة للتعبير كإحدى تقنيات العلاج السلوكي التي تعتمد على فلسفة مواجهة الألم والقلق؛ فهي متنفس وحل نستطيع من خلاله تفكيك العقد والأفكار العشوائية التي تجتاحنا، وهي أيضًا كما شبهها الروائي نبيل الملحم بقوله: " الكتابة هي الفعل الأقرب إلى الاستحمام، فعل إزاء شوائب الجسد، هل تستطيع أنت أن تتوقف عن الاستحمام؟ "

والخاطرة اليوم ولا أعلم إن كانت هناك خاطرة تليها أو ربما في السنة القادمة ولكن هي عن الخامسة والثلاثين.
العمر الذي يصل فيه العقل البشري إلى ذروته الإدراكية كما تشير الدراسات الحديثة، ولا أعلم في الحقيقة عن مدى صحة الدراسة وما إن تمت وفق معايير دقيقة أو مجرد تطبيب للمشاعر باسم الدراسات.

هي أيضًا مرحلة النصف بين البداية والنهاية؛ البداية المربكة حال بلوغنا الثلاثين والنهاية التي ترشدنا للأربعين.. فإما حينها مراهقة عبثية متأخرة أو نضج ووعي عاقل وراشد.

والحقيقة في داخلي أني لطالما كرهت أنصاف الحلول مؤمنًا بقول العبقري جبران خليل جبران وهو يقول مستطردًا وبحكمة بالغة باعتقادي قد كتبها وقد بلغ الأربعين من عمره:

" لا تعش نصف حياة، ولا تمت نصف موت، لا تختر نصف حل، ولا تقف في منتصف الحقيقة، لا تحلم نصف حلم، ولا تتعلق بنصف أمل، إذا صمتَّ.. فاصمت حتى النهاية، وإذا تكلمت.. فتكلّم حتى النهاية، لا تصمت كي تتكلم، ولا تتكلم كي تصمت.

إذا رضيت فعبِّر عن رضاك، لا تصطنع نصف رضا، وإذا رفضت.. فعبِّر عن رفضك،

لأن نصف الرفض قبول.. النصف هو حياة لم تعشها، وهو كلمة لم تقلها وهو ابتسامة أجَّلتها، وهو حب لم تصل إليه، وهو صداقة لم تعرفها.. النصف هو ما يجعلك غريباً عن أقرب الناس إليك، وهو ما يجعل أقرب الناس إليك غرباء عنك.

النصف هو أن تصل وأن لا تصل، أن تعمل وأن لا تعمل، أن تغيب وأن تحضر.. النصف هو أنت، عندما لا تكون أنت.. لأنك لم تعرف من أنت، النصف هو أن لا تعرف من أنت.. ومن تحب ليس نصفك الآخر.. هو أنت في مكان آخر في الوقت نفسه.

نصف شربة لن تروي ظمأك، ونصف وجبة لن تشبع جوعك، نصف طريق لن يوصلك إلى أي مكان، ونصف فكرة لن تعطي لك نتيجة، النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز.. لأنك لست نصف إنسان "

قال جبران قولته الخالدة ووضعنا في مأزق النصف والمنتصف ورحل.


كانت طموحاتي عالية جدًا فيما مضى؛ فيما يختص بالكتابة والتأليف.

كنت أداعب عقلي بالقراءة فالكتابة كما يداعب الإنسان التافه نفسه بتوافه الأمور.

لاحقًا توقفت.. وتوقف معها كل شيء.

واستمريت دون أكتب لفترة طويلة.

أشعر الآن وكأني فقدت لوهلة شيئًا ثمينًا لم استمر عليه.

حتى جاءت الإشارة، العلامة التي دفعتني للعودة إلى الكتابة؛ وهو العمر الذي كنت اعتقده بأنه ليس إلا مجرد رقم، والواقع بأنه فعلًا ليس رقمًا فحسب؛ فكم من بلغ الأربعين لكنه سفيه، وآخر في العشرين وهو في قمة النضج، العمر دلالة على تراكم الخبرات والاستفادة من الدروس القاسية.


هذه الخاطرة كانت في حينها مناسبة جيدة للكتابة مجددًا.. في عقلي كانت المقدمة سلسة والبداية واضحة ولكن وجدت نفسي أكتب عن شيء مختلف تمامًا؛ عن العزلة الفكرية، الخاطرة السابقة.

وجدت نفسي أكتب دون هوادة.

أكتب كما لو أنها آخر مرة.

وفي الواقع.

الكتابة هي حالة من تفريغ المشاعر المكبوتة.

أو ربما حالة وجدانية تجبرنا على التعري وكشف ما هو مخفي ومستور من منظورنا ككتاب.

والممتع في الأمر بأني شعرت بالراحة بعدما انتهيت منها.

وكأن حملًا ثقيلًا على ظهري قد زال أو ربما نشوة قد بلغتها!

وفي كلا الحالتين.. تظل الكتابة أفضل وسيلة للتنفيس أو القذف.

الجمعة، 18 يوليو 2025

الصوت المسموع

قال أنطون تشيخوف: لا أحد يستمع، الكل ينتظر دوره في الحديث.
بهذه العبارة نستطيع تأصيل وفهم واقعنا المعاصر، ولذلك سمّهم ما شئت: رويبضة، سفسطائيين، فارغين، سطحيين.. طالما يرتدي أحدهم قبعة الحكيم والمستشار ويمارس شهوته بجدارة مطلقة، وببراعة لا متناهية؛ شهوة الكلام.


اعتدنا في الصغر على سماع الحكمة العربية في الإذاعة المدرسية والتي تقول: خير الكلام ما قل ودل، وقال أحدهم: إن كان الكلام من فضة فالسكوت من ذهب.
لكن اليوم وعلى النقيض تمامًا اختلف المعيار.. أصبح السكوت مشين والصمت نقص ثقة لا هيبة، بينما الكلام سمين رزين رصين ووتين.
لذلك لا يهم فيما تتحدث به، ولا يعوّل أبدًا على مضمون الفكرة ومدى فرادتها لكن الأهم من ذلك هو أن تتحدث حتى يروك كما قال سقراط.
وبقدر ما تتصنع الثقة ضمن حديثك فأنت في حال جيد، ولا يهم أن تكونًا متخصصًا أو عالمًا أو خبيرًا فيما يُتحدث عنه في المجالس؛ حاول أن تتكلم عن الغيبيات والكرامات التي تسمعها شريطة أن تبدأ قولك بــ حدثني فلان وسمعت عن فلان، وإن أردت ما هو أرفع من ذلك فقل قرأت ذلك في كتاب البداية والنهاية لابن كثير، أو الرسالة القشيرية للإمام أبي القاسم القشيري. جرِّب أن تتحدث عن السياسة وأنت تتصنع دور ضيف ثقيل في إحدى القنوات الإخبارية، وجميع الأنظار عليك تشاهدك بدهشة وتعجب كما لو أنك فعلًا قد امتهنت السياسة لسنوات عدة.
ماذا لو كان الموضوع عن الرياضة أو الموسيقى ولم تستطع مجاراتهم في ذلك النقاش المحتدم؛ حاول أن تمنطق الأمور في صالحك دائمًا فأنت نفس الشخص الخبير السياسي والديني من قبل، اذكر لهم بعشوائية إحصائية حجم سوق الإعلانات في رياضة كرة القدم، ألقي بالأرقام جزافًا لن يدقق أحدٌ بعدك.
انظر للأمور كما لو أنك محور الكون، كما لو أنك مطالب في إثبات مدى ثقافتك العامة ومعلوماتك النخبوية حتى وإن كانت معظمها نتاج متابعة حلقات الدحيح لا مستخرجة من أمهات الكتب.
لذا تصنّع الشيء حتى تجيده بل تتقنه، ولذلك عند الإنجليز يقولون:
!Fake it until you make it

 

أدركت مؤخرًا بأن الثقة هي نتاج إيمان داخلي تعزز من الصوت الداخلي الذي يعيش معك ويخاطبك دون أن تراه؛ لا تعاديه بل صاحبه ليقف في صفك في أسوأ حالاتك وأفضلها. الصوت الداخلي إما أن ينجحك أو يخذلك، فإن نظرت إلى نفسك نظرة ثقة وقوة واعتزاز وجدت من حولك ما هم إلا بشر في أضعف صورة، ما هم إلا أنداد أو سفلة حقراء وبمطلق الأحوال من السهل مجاراتهم طالما امتلكت الثقة، لكن في حال كانت نظرتك دونية فإنك بذلك تسقط جميع قواك الخفية وأنت إلى الهلاك صائر، ولن ينفعك حينها علمك وثقافتك وذكاؤك.

وتأكد يقينًا بأن نِعم الحياة لا تعطى للأذكياء الصامتين ولكن للمتذاكين المتكلمين أو الأغبياء الثرثارين؛ أولئك فقط من يمتلك الصوت المسموع.. وأن من يعمل ويسكت من منطلق أن عملي مرئي ويعبّر عني فهذه من جملة الهرطقات، تجنبها بارك الله فيك.

الجمعة، 4 يوليو 2025

العزلة الفكرية

لدي تجربة شخصية لعلها تكون مفيدة لمن يرغب بأن يعيش مثلها أو على أقل تقدير جزء من تفاصيلها؛ عن قدرتنا على التكيّف في جغرافيا مختلفة عن التي عشناها سلفًا؛ دولة كانت أو مدينة.
أعيش الآن في مجتمع مغاير عن الذي اعتدته، مختلف عن الوطن الذي ولدت فيه، رغم أنه يشبهه في العادات والتقاليد ضمن مجلس خليجي واحد، وهنا أسأل؛ أليس الوطن هو المكان الذي يأوينا ويحتوينا أم المكان الذي نولد فيه؟!

الأمر بطبيعة الحال صعب، أصعب مما اعتقدته.

كنت أزعم بأني قادر على التكيّف مع أي مجتمع كان أو ثقافة ما.
في الشرقية حيث ولدت؛ عشت الهدوء والطمأنينة وهم هكذا أهلها طيبون وبها يمتازون، انتقلت بعدها إلى الرياض العاصمة، 
المدينة التي باعتقادي لا تنام وفي معظم أوقاتها الزحمة والحياة حيث الصخب واللاهدوء وبالمناسبة سكانها هم أيضًا لديهم ميل للحركة المفرطة وكثرة الكلام، ثم إلى أبوظبي المدينة المطمئنة والتي مازلت آتعرف عليها إلى يومنا هذا.


كنت اعتقد بأن الإنسان كائن اجتماعي يستطيع بطريقة أو بأخرى من الانسجام؛  بمعنى أن وعي الإنسان قادر على تكييف عقله من تفعيل المهارات الشخصية والاجتماعية في إيجاد أرضيات مشتركة تتيح له التواصل مع الآخرين؛ لكني فشلت، وهذا الفشل هو تجربة فردية وشخصية لي لا أكثر.
سواء عندما انتقلت إلى الرياض أو الإمارات، ولكن في الأخيرة ضررها أشد لأني أجهل فيها أكثر مما أعرف.
وهذه التجربة غيَّرتني كثيرًا.

جعلتني شخصيًا أعيش حالة من العزلة الفكرية أو الخواء الفكري إن صح التعبير.

ومن واقع الحياة الاجتماعية فهنا حيث أعيش، الناس فيه أكثر تدينا، على أقل تقدير في محيطي وضمن بيئتي؛ لكن هذا التدين خاوي.
ومن واقع الحياة الفكرية وأعني بها الحوارات 
والنقاشات الفكرية مع شخص واعي يثري تفكيرك ويداعب عقلك ويفتح لك أفق جديدة للفهم والتقدير.
كنت ولا زلت أؤمن بأن الإنسان عقل وقلب وجسد، وعلى هذا الأساس فكما أن للجسد وسامة ظاهرية، وللقلب وسامة باطنية تترجم عبر لغة المشاعر، فأيضًا للعقل وسامة ليست مجرد جاذبية مؤقتة بل هي بريق دائم؛ وكما نجوع للحب فإننا نجوع لحوار جيد، للنقاش مع شخص واعٍ، يختلف في الآراء معك أكثر مما يتفق، لا يجاملك ولكن يعلمك.. ولذلك يقال: جاذبية العقل لا تبهت.
الناس هنا سطحيين، تافهين ومملين للغاية.
والرغبة الصارمة التي تدفعني لأن أكون شخصًا اجتماعيًا هو بأن أكون منافقًا.
والنفاق ليست من خصالي أو على أقل تقدير ليست من ضمن المهارات التي أجيدها.. سمِّها ما شئت يا عزيزي المنافق؛ ذكاء اجتماعي أو عاطفي.

وكلما شعرت بالعزلة والخواء شحنت نفسي بالعبارة الخالدة إلى قلبي، تلك التي كتبها ألبير كامو في مذكراته: " لا أحد يعرف أن البعض يبذلون مجهودًا جبارًا فقط لكي يكونوا مجرد أشخاص عاديين " أو بعبارة أخرى المجهود الذي يبذله الإنسان في التكيَّف مع مجتمع لا يرقى إلى مستوى إدراكهم وأفكارهم.

وباعتقادي أن أحد أسباب الشقاء ينبع من عدم إيجاد شخص يفهمك كما هو أنت، فلا تحتاج معه إلى تبرير موقف أو توضيح مقصد؛ هو يفهمك غاية الفهم.
وهذه نعمة قلَّما تجدها عند أحد، ولذلك قال أحدهم: واختر خليل قلبك بحكمة فليست كل القلوب بالقلوب تليق، واختر لنفسك شخصًا إذا قست عليك الأيام؛ يكن لك فيه عشم لا يخيب.





 


الأربعاء، 1 يناير 2025

خاطرة نهاية سنة 2024

ها أنذا أكتب من جديد.. ونهاية كل عام.

أجد نفسي مدفوعاً إلى الكتابة؛ لا عن نجاحاتي أو إخفاقاتي بل عن ما هو أعظم.

سنة ٢٠٢٤ رغم تحدياتها إلا أنها حملت عنوان: دوام الحال من المحال، فلا شيء يدوم على حاله مطلقاً.

سنة ٢٠٢٤ تعتبر من أسوأ مراحلي المهنية وللأسف.

لا أندب حظي لأنها قرارات كنت قد اتخذتها مسبقاً وها أنا أدفع نتائجها الآن، ولعلي أجد ثمرتها ومكافأتها لاحقاً.. أرجو ذلك!

في أوقات الرخاء، في أفضل حالاتنا النفسية والمهنية نستطيع أن نبرهن على تفوقنا ونمارس سلطة فوقية على من دوننا ليست من دافع غرور وكبرياء والعياذ بالله لكن نشوة نصر نعيشها في تلك الفترة ونشجع الآخرين بطريقة إيجابية أو سلبية على بذل مزيد من الجهد للوصول إلى غايات عظيمة!

ننسى أو نتناسى ظلمة الأيام عليهم أو محاولاتهم البائسة أو اختبار الله لهم في الصبر وانتظار المكافأة الكبرى، ولا نشعر بهم إلا إذا انتكسنا عندها لا نجد أنفسنا إلا متقوقعين حول ذواتنا، نرغب بالمساعدة ولكن عزّة النفس تأبى الطلب ولكن ليس للإنسان إلا السعي والتوفيق من الله.

نعم. دوام الحال من المحال.

لا يجدر بك أن تغتر بنفسك على نجاحاتك أو أن تنسبها لنفسك دون توفيق الله ولكن ينبغي أن تعلم بأن المال رزق من الله لك يسوقه لك كيفما شاء وأينما شاء وما عليك سوى الرضا واليقين به، وما يتداوله كثير من السفهاء حول أن المال لا يأتي إلا بالسعي والاجتهاد وبمعزل عن توفيق الله الواحد فهذا ضرب من ضروب الشرك والعياذ بالله لأنه فقد ألوهيته لله القهار وجعل اجتهاده سبباً للنجاح وهو بذلك مَثل قارون عندما قال (إنما أوتيته على علم عندي)، وإن اجتهد وبذل من الاجتهاد أقصاه ونال ما ناله فليحمد الله أولاً على توفيقه إذ سخّر له الأسباب التي قد تجهلها في أثناء رحلتك؛ بمعنى أن الظروف ليست مؤاتية عند الجميع، ورحلة اجتهادك إن كانت صعبة فهي أسهل كثيراً عند آخرين، فلا أنت الذي ولدت في قرية نائية يبعد ماؤها كيلو مترات وسمتها الفقر المدقع وانتشار الأمراض والأبواء والحشرات، لا صحة ولا تعليم ولكن هو مبدأ النجاة لليوم إلى اليوم الذي يليه. وكن على يقين بأنك أحوالك ميسّرة وظروفك مهيّأة وعند التفكّر ستجد بأن الله سخّر لك الظروف والأسباب ما أدركتها سواء كانت دولة آمنة، عائلة معطاءة ومحيط داعم، أو تلك الأسباب التي لم تدركها بعد!
فلا تغتر بنتائج اجتهادك وكن حامداً شاكراً لله وحده.
وليكن دأبك هو السعي مع التسليم بقضاءِ الله وقدره ولتستحضر دوماً أبيات الإمام علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه:
                فلو كانت الدنيا تنال بفطنةٍ             وفضلٍ وعقلٍ نلت أعلى المراتب
                ولكنما الأرزاق حظٌ وقسمةٌ             بفضل مليكٍ لا بحيلة طالب

    

 



السبت، 14 سبتمبر 2024

أخلاق السادة والعبيد!

 لم أكتب خاطرة منذ فترة، أشعر بأنها مدة طويلة حيث حروب قامت واقتصادات هوت وارتفعت وطبيعة بشرية أصبحت مخيفة ووعي جمعي بائس وأناني ورأسمالي..

ابدأ غضبي المعتاد والاستياء الواضح كما جرت العادة في كتابتي الخاطرة من مقولة نيتشه وهو يتبنى فلسفته عن الأخلاق وهو يقول: الأخلاق من صنع الفقراء وقليل الحيلة ومن لا قوة لهم .. الأخلاق حيلة ابتكرها الضعفاء لكي يضحكوا بها على الأقوياء. ثم يستطرد فلسفته ويقسّم الأخلاق إلى قسمين اثنين، أحدهما أخلاق السادة وأخلاق العبيد!

فأخلاق العبيد هي الرحمة، التضحية والتعاطف .. أخلاق الرعاع والضعاف والتي لا تتميز فيها الروح الفردية بعكس أخلاق السادة المبنية على القوة والجرأة والمواجهة وكل ما يعزز فيه الفردانية.
فالنمط الأخلاقي عند نيتشه قائم على التباين بين الفرص؛ فعندما اكتسب السادة النجاح والجمال والذكاء، اكتسب العبيد بالمقابل صفات الضعف والفقر والهوان باسم الأخلاق كطريقة تعايش مع حياتهم البائسة والتغلّب على مشاعر الدونية ضمن قيم نبيلة!


يؤيد هذه الفلسفة المفكر العلماني الدكتور علي الوردي في كتابه وعاظ السلاطين حيث يتناول فكرة القوة والضعف من منظور ديني اجتماعي؛ يتسلّق فيه الصعلوك المتدين المنابر والمجالس بقصد الحصول على الجاه والمال على حساب الفقراء والمساكين، يقول في كتابه: "يحاول بعض الوعاظ أن يصلحوا أخلاق الناس بالكلام والنصيحة المجردة، وما دروا أن الأخلاق هي نتيجة للظروف النفسية والاجتماعية؛ إنهم يحسبون الأخلاق سبباً لتلك الظروف لا نتيجة لها، لذا تراهم يقولون: " غيروا أخلاقكم تتغير بذلك ظروفكم " ، ولو أنصفوا لقالوا عكس ذلك !"


وأما عن الأيدولوجية الماركسية فهي تخبرنا بما لا يدع مجالاً للشك أو التأويل فكرة أن الأخلاق هي من صنع الأقوياء لاستعباد الضعفاء، فالضعيف لا يمتلك سوى سمعته النظيفة وأخلاقه النبيلة بعكس القوي الذي لا يهتم بأي منهما في معظم الأحيان. الأمر أشبه بمن يقول وطن لا نحميه لا نستحق العيش فيه؛ فلا هو الذي حمى الوطن بإقدامه وتقدمه الصفوف ضد الأعداء ولكن عاش فيه برفاهية وراحة عظيمة.


هذا الطرح وهذه الخاطرة بطبيعة الحال بعيدة كل البعد عن الطرح الديني والأخلاق النبوية المحمدية، وإنما قصدت إسقاطها لأنها تقع ضمن نيات الإنسان الداخلية ومقاصده منها في الدنيا أو الآخرة من الأخلاق، وفي مجتمعاتنا المعاصرة والتي تناهض باستمرار وتعزز فكرة الإنسان الناجح الثري القوي وأما الأخلاق فهي مهملة كإهمالنا للفقراء والعبيد، والتعامل بين البشر إنما ينطلق من مبدأ الفائدة والاستفادة، والنفع والانتفاع لا القيم والأخلاق.
وهذا واقع يجب أن يفهمه الإنسان الحاذق ويعيه مبكراً وإما أن يجبر أن يتعلمه بقسوة الظروف، لا تعاملك البشرية بإنصاف ولا الدوائر الحكومية باحترام طالما كنت من ثلّة العبيد مهما كانت أخلاقك .. اليوم نعيش واقع بائس من المظاهر المادية والأخلاق الدونية والجميع متعايش مع هذه الفكرة.


في نهاية الخاطرة أقول..

لعن الله الرأسمالية.

لعن الله الممارسات الأنانية.

لعن الله من يدّعون الفضيلة.

لعن الله المتزلفين المتسلقين على حساب الضعفاء ذوي الأخلاق العالية.

الخميس، 11 مايو 2023

مأزق البوح

أكتب بشكل روتيني مستمر؛ فهذا هو دوري ككاتب.
قد يبدو الأمر باعثاً على الإعجاب في أن أتقمّص هذا الدور. الدور الذي يعكس صورة نمطية عن الكتّاب بالإبداع والنخبوية.
إلا أنه في حقيقة الأمر يبعث على الملل.
فالجزء الأعظم من كتاباتي هي مقيّدة لفئة مستهدفة، لجمهور مخصّص، أكتب ثم أكتب ثم ينشر هذا النص دون أن يعلم أحداً عن كاتبه، عن الصعوبات التي واجهتها أثناء ذلك؛ وهنا لا أجدني أبحث عن التقدير بل عمّا تسبّبه لي تلك الكتابات من ضجر، أن أكتب للغير فحسب.
هذا الروتين يقتلني.

العزلة بدورها تخنقني.
في ألا أجد من يفهمني.
منذ فترة لم أكتب عن نفسي، عن مشاعري الضائعة، والتي اختفت مع مجريات الحياة حيث تاهت بفعل القوة الجبرية لمعطيات الواقع المادي.
قد تقرأ ما سبق وتزعم بعقلك الفارغ وربما تضعني في خانة الأشخاص المضطربين في مشاعرهم من لا يستطيعون التعبير. حاولت ذلك مراراً وتكراراً في أن أشرح ما بداخلي سواء بالتصريح أو التلميح لاسيما لمن له صلة مباشرة بي، وفعلت الكثير، وتحدّثت أكثر ولكن دون جدوى.
وحالي بعد ذلك اختزلها نزار قباني بشعره:
لم يبق عندي ما أقول
تعب الكلام من الكلام
هذا التعب أصابني بالوهن، بالضعف وبالضنك. وما وجدت غير الكتابة علّها تكون مستأنساً لي.
الكتابة هي أكسجين الكاتب، الطريقة التي يتنفّس بها، ويستمدّ بها قوته عندما لا يجد الآخر من يعي ويدرك حاله البائسة والمضطربة، فهو يعبّر عن وجدانه بالطريقة التي يجدها مناسبة، وبالكيفيّة التي يستسيغها بطريقة ملائمة في حال لم يرغب في أن يخسر الآخر.
 من أن يساء فهمه مجدداً أو ألا يفهمه الآخر مطلقاً كما يرغب هو؛ وأعني بالآخر المقربين منه والبعيدين، العائلة أو الأصدقاء.
أفقد بريقي يوماً بعد يوم، وأخشى أن أصبح يوماً مثل فيرناندو بيسوا عندما قال في كتابه اللاطمأنينة: "لقد طبّعتني العزلة بطباعها، وصيّرتني على غرارها"
ومن السذاجة أن نربط العزلة بالوحدة، فهذا ما هو إلا تعريف ناقص.
العزلة قد تكون مع نفسك أو مع الآخرين من لا تجتمع معهم في أرضيات مشتركة أو طموحات عظيمة، ومن البديهي أنك لا تستطيع أن تغيّر أحداً ولو بعد قرن من الزمان؛ لأن الإنسان كائن معقّد بذاته، مجموعة من العادات والتراكمات والمشاعر و..
ربما وحده الحب يفعل ذلك!
الحب طاقة تتولّد عبر القلب والعقل، في أن نحب الآخر بعقله وعاطفته، في أن يكمّل أحدهم الآخر بفعل الحب. 
لنسأل الله الحب علّه يخرجني من هذا المأزق.

الجمعة، 26 أغسطس 2022

مشروع مقاومة

كنتُ في إحدى اللقاءات حاضراً لكن بصمت.
كنتُ قد عزمت على المشاركة لكن أبيت في آخر لحظة.
كان الحديث يتناول عن سبب تفاقم حالات الطلاق.
هذا كان عنوان اللقاء.

بدأ أحد الحضور كلامه بإحصاءات: عدد حالات الطلاق في السعودية لعام 2010 بلغت 9233 حالة بينما في عام 2022 ارتفعت بنسبة 60% وتجاوزت عدد الحالات لتصبح 7 حالات طلاق لكل ساعة! أو مقابل كل 10 حالات زواج 3 حالات طلاق!
هذه الأرقام تبدو مخيفة لمن يرغب بالزواج، مرعبة لمن ينوي أن يستقر ويؤسس أسرة.
وأخذ اللقاء يأخذ مساراً جدلياً ما بين مؤيد ومعارض.
والجميع دون مبالغة، ارتدوا قبعة الحكيم وأخذوا يدلون بدلوهم وكأن الحكمة وحدها تخرج من فيهم.
وباعتقادي الأمر أسهل من هذا كله!
من منطلق الشرع والعقل.

الزواج هو ميثاق غليظ لفردين، وارتباط لأسرتين بالتعبير العام.
وكلا الزوج والزوجة هما حصيلة بيئة متغيرة ومختلفة.
ومدى إيجاد الأرضيات المشتركة بينهما تستند على تراكمات تربوية ونفسية وخبرات حياتية وليس من الحكمة أن يمارس أحدهما سلطة أو قوة بهدف التغيير.
محاولات التغيير تتطلّب وقت.
تحتاج إلى صبر.
إلى فهم الآخر من زاوية مختلفة تماماً عن زاوية تفكيره.
عن الوعي الذي يساعدنا على الصراحة والبوح عمّا في أعماقنا.
عن الوضوح التام دون خجل أو ارتياب.
عن الطمأنينة التي تشعرنا بالراحة عند طلب المساعدة في التغيير إلى الأفضل؛ في محاولة صريحة لتفكيك العقد والمشاكل بالاستماع والاحتواء، في المحاولة الأولى والمحاولات المتكررة بأساليب مختلفة.
التغيير يتم بناء على رغبة داخلية، على حس بالمسؤولية، على حب ناتج بتنازلات منطقية لكن الأهم من هذا كله هو الأساس وهو التربية.

إحدى الحِكم التي نُشرت عن باب العلم عن الحكيم علي بن أبي طالب رضي الله عنه مقولته: "لا تربوا أبناءكم على زمانكم فقد ولدوا لزمان غير زمانكم" فالتربية تخضع لمعيارين اثنين: ثابت ومتغيّر؛ فأما الثابت فهو القيم الأصيلة والأخلاق النبوية، وأما المتغير فهو آلية التفاعل مع مقتضيات العصر والزمان وعبر الممارسات السلوكية والمناهج التربوية ولا يمكن بمطلق الأحوال تربية الأبناء اليوم بنفس تربية الأمس، ولذلك وضع سيدنا النبي عليه الصلاة والسلام معيار مفاضلة في الاختيار: "فاظفر بذات الدين تربت يداك" والدين هنا هي المظلة الشاملة للتربية والأخلاق.

في ربع المنجيات من كتاب إحياء علوم الدين يقول حجة الإسلام أبي حامد الغزالي وفي الخبر إن لكل أمة عجلاً وعجل هذه الأمة الدينار والدرهم. وهذا هو واقع اليوم والمستقبل إذ نعيش أبشع مراحل الرأسمالية وبها تتغير الأنفس والأخلاق والناس متفاوتة ما بين الثراء والفقر؛ ونمط المعيشة بدلاً من أن تستقيم على الفرد الواحد وهو الزوج في حين أن الزوجة تمارس وظيفتها في البيت والتربية تغيّرت الظروف وتوزّعت المسؤوليات على الزوج والزوجة في لقمة العيش ومهام البيت، وبدلاً من أن تكون المهام الخارجية مقتصرة على الزوج والمهام الداخلية على الزوجة أصبح كلاهما مسؤولان عن المهام الداخلية والخارجية ضمن بيئة عمل محترمة، محتوية للموهبة يستطيع فيها الإنسان أن يعمل بنفسية جيدة وبإبداع؛ وكل هذا في سبيل أن تحيا الأسرة حياة كريمة متعففة، وتضمن الحد الأدنى من جودة الحياة للأسرة والأطفال.

اختيار الزيجة ما هي إلا أقدار من الله دون أدنى شك ضمن مفهوم القسمة والنصيب.
ويبقى الاختيار هو فعل نابع من وعي وقرار.
والإنسان بطبيعة الحال: "مخيّر فيما يعلم، مسيّر فيما يجهل" ومن منطلق المفاضلة والتنازلات تستقيم الأولويات شريطة أن تكون مبنية على قناعة وحب وإدراك.
راهنوا دوماً على التربية.
من تعتقدون بأن الآخر هو شريك حياة.
الشريك القادر على تقدير الأولويات وتقديم التضحيات.
لمشروع حياة زوجية سعيدة؛ لمشروع مقاومة ضد الفتن والحرام والإلحاد.
فلا المال يدوم ولا الجمال يبقى.
واطلبوا العون أولاً وآخراً من الله.