الخميس، 17 فبراير 2022

مقابلة تلفزيونية

 في إحدى مقابلاته التلفزيونية يعلّق الفنان السينمائي المدعو بسلطان عبدالعزيز عن سبب نجاحه كممثل في الجانب الدرامي يقول: أشيد بالفضل لله أولاً ثم لدعوات أمي ثم لأبي من انتزعت من قلبه الرحمة وعدد من الشخصيات القريبة مني؛ لا أعتقد بأني استحق هذا الوهج وهذا النجاح دون أن أشكرهم.

فطنة المذيع أبت أن تتجاوز تلك العبارة والتي قد تكون مادة إعلامية مثيرة للجدل؛ ماذا تعني بقولك وهنا استشهد من حديثك: "أبي من انتزعت من قلبه الرحمة" ؟
يجيب الفنان: ليست من عادتي الخوض في حديث نفسي ممل طويل عدا أن استشهادي بهذا القول جاء نتيجة تراكمات ورغبت بأن أفصح عنها ليستفيد غيري بها.
هي تجربة حدثت معي وليست بالضرورة أن تحدث مع كل أحد ولكن إن حدثت أنصح بأن يتصرف بطريقة أكثر عقلانية مما فعلت أنا.

الأب والأم أرزاق من السماء؛ وأعني بالرزق بالسبب الرئيسي في تشكيل شخصية أطفالهم.
هذا الأمر خارج عن سيطرتنا بالكلية.
من يتمتع بوالد ذو عقل نظيف وشخصية قيادية حازمة ورحيمة فهو قد رزق الحكمة، ومن تمتع بوالدة حنونة، معطاءة ومتفهمة فقد رزق بالبطولة، وما بين تلك الظروف والأرزاق يتشكل الإنسان وفقاً لتجارب الحياة ودروس الشارع.

على هذا الأساس عرّجت على تلك النقطة.
حكمة الله لي أن رزقني بأبٍ غير واعٍ، غير قيادي بطبيعة الحال، يجسّد معاني الأنانيّة وعدم امتلاك البصيرة ولكن والحق يقال كان عصامياً ومازال.
شخصية والدي لم تعزز فيني الصفات التي تؤهلني في وقت مضى من أن أصبح ما عليه الآن؛ من إدراك وفهم نشأة الأطفال مع أب مثل أبي، حيث مكّنتني تلك المعرفة من استلهام العذر لكل طفل تجرّع ألم تلك الشخصية وتلك التربية عبر سلوكيات غير مفهومة أو ردود أفعال غير مدروسة.
كاكفا، نيشته وتولويستوي روائيين ومفكرين عظماء كان لهم نفس النصيب من سلوك الأب وحماقته في التربية إلا أن ذلك لم يمنعهم من النجاح أو التفرّد فيما وصلوا إليه من العظمة.

حتى لا استفيض أكثر وتصبح هذه المقابلة حلقة درامية متلفزة؛ أردت أن أقول وبشكل واضح: الأب والأم ما لا يمكن للإنسان اختياره مطلقاً. هم خير بمطلق الأحوال لأنك ستجني العظمة منهم عبر التربية الحسنة والتمكين أو الحماقة والخذلان؛ فإما أن تنزوي على نفسك وتندب حظك وتعيش حياة بائسة أو تتجاوزها بالحد الأدنى من ما يطلبك به الشرع والدين ضمن حدود التكليف، وهذه رسالة للشباب.

ورسالة أخيرة لكل الآباء والأمهات: اتقوا الله في أطفالكم.
التربية شيء والرعاية شيء آخر؛ الرعاية يقوم بها الحيوانات بمختلف الأنواع، بينما التربية تتجسّد بالوعي وتتطلّب منكم الاجتهاد.
يجب أن تفهموا مقولة علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه: "لا تربوا أبناءكم على زمانكم فقد ولدوا لزمان غير زمانكم"
وأنتم في سبيل ذلك وأعني التربية إما ستكافأون على ذلك في الدنيا والآخرة أو ستصيبكم لعنات مبطنة ودعوات احتساب ظاهرة؛ فاختاروا ما يناسبكم.

شكراً لك على الدعوة، أرجو أن أكون قد وفّقت في هذه المقابلة!

السبت، 22 يناير 2022

الكتابة الحرة

 تشير الساعة إلى التاسعة والنصف تماماً.
استيقظ في الصباح الباكر.
كعادتي اليومية.
إلا أن الفارق شيئان أحدهما استيقاظي بدون منبه، والآخر أنه يوم السبت.
أعود إلى النوم في محاولة جادة لكسر الروتين، في محاولة استعادة طاقة مهدرة خلال الأسبوع.
لكن الحقيقة أعود إلى النوم حتى لا أفكر بشكل مفرط.
مؤخراً؛ أصبحت أفكر بطريقة مزعجة، بأسلوب مؤذي لعقلي وجسدي دون أن أجد ما يطفىئ شعلة النشاط بل العذاب التي اجتاحتني فجأة واقتحمت أفكاري بغتة ولا أفعل معها شيء. 

بعض تلك الأفكار تستوطن العقل ولا تلبث أن ترحل أبداً؛ هاجس من المخاوف، من التساؤلات المربكة للمستقبل، وبعضها مثل هبوب الرياح الباردة في فصل الشتاء تمر مرور الكرام ولكنها تعصف بك وأحياناً تترك أثراً ثم ترحل.

وجدت فكرة الكتابة؛ فكرة جيدة قابلة لأن افعلها بشكل متكرر.
البوح عن المشاعر دون فائدة.
التفرغ من الأفكار دون نتيجة.
أن ابدأ بجملة ولا اعلم إلى أين النهاية.
بالمناسبة. هذا أسلوب فريد في الكتابة يتبعه عظماء الأدب والرواية.
يعرف هذا الأسلوب " بالكتابة الحرة "

و
هي تقنية من التقنيات المستخدمة للتغلّب على النقد الذاتي، دون مراعاة للإملاء وقواعد النحو؛ المهم أن تكتب، من المهم أن تعبّر عن داخلك بكل أريحية سيما أنك لا تحتاج إلى أحد يسمعك.

الكتابة تأخذ أسلوباً علاجياً للنفس المكبوتة، المتعبة والمرهقة.
طريقة تداوي للتفريغ عن المواقف الساذجة أو حتى للموضوعات الفلسفية والنخبوية.
يكفي أن تأخذ مسار واحد للكتابة؛ وهو أن تكتب لنفسك ودون أن تراعي مفرداتك أو أخطاءك اللغوية والنحوية.
بهذه الطريقة أن تعبّر عن مكنوناتك الداخلية بمختلف الحالات من استياء وامتعاض وكذلك في تحسين لغتك العربية عبر فعل الممارسة والكتابة.

ومن منطلق التعبير والشكوى؛ اقتبس تلك الأبيات للشاعر كريم العراقي يقول فيه:
لا تشكُ للناس جرحًا أنت صاحبه
لا يؤلم الجرح إلا من به ألم
شكواك للناس يا ابن الناس منقصة
ومن من الناس صاح ما به سقم
فالهم كالسيل والأحزان زاخرة
حمر الدلائل مهما أهلها كتموا
فإن شكوت لمن طاب الزمان له
عيناك تغلى ومن تشكو له صنم
وإذا شكوت لمن شكواك تسعده
أضفت جرحًا لجرحك اسمه الندم
 

الأربعاء، 19 يناير 2022

الكسل الذهني

 حدث لي مؤخراً موقفاً استدعى مني التفكير للأمر من زاوية مغايرة.
من سلبية محبطة إلى محايدة بطريقة تستدعي التفهم.
الموقف باختصار: حالة التبلد التي تصيب البعض جرّاء عمل مكثّف تجعله يعقّد مختلف المسائل حتى لا يكون هو في الصورة أو أن يعمل لأجلها من باب المساعدة أو المسؤولية.
أو ربما هو كسل ذهني يجعله يأخذ الخيارات الأسهل لينأى نفسه عن المسؤولية.

بمعنى أبسط وأسهل.
أحياناً تطلب من أحدهم مساعدة في أمر ما.
هذا الأمر وهذه المساعدة بطبيعة الحال هو قادر على فعلها وضمن استطاعته ولكنه بدلاً من فعلها في الحال أو أن يقوم بتفويضها لشخص آخر؛ تجده يخبرك بخيارات صعبة، خيارات فيها من التبلد الشيء الكثير حتى لا يقوم بها.
مثال على ذلك:
سألت صديق لديه خبرة في كتابة المحتوى عن مهمة قد أوكلت إليه ولا يستطيع هو فعلها. قلت له: لدي وصف منتجات ولا أستطيع كتابتها أو وصفها بشكل جيد.
الآن الخيارات المتاحة هي كالتالي:
- إن كانت المهمة بسيطة وسلسة ولا تطلب وقت كثير فيمكنك فعلها لأجله.
- أو إرشاده إلى بعض المواقع المتخصصة في تعليم وصف المنتجات؛ وبهذا أنت اختصرت عليه عناء البحث.
- والخيار الأخير هو تفويضه لشخص آخر بمقابل مادي بسيط.
لكن الذي لا ينوي المساعدة سيجعل من الحبة قبة.
سيطيل الحديث دون فائدة مرجوة والمشكلة إذا كان يعتقد بأن معلوماته مهمة؛ بالتالي سينظّر عليك ويسرد قصص وتفاصيل بديهية ومضيعة للوقت مثل: هناك فرق بين وصف المنتجات، المنتجات الطبية تختلف عن المنتجات الغذائية.
المنتجات الطبية يجب أن تراعي فيها التفاصيل الطبية بدقة مع معايير وزارة الصحة بينما المنتجات الغذائية تراعي فيها القيم الغذائية والسعرات الحرارية.
وسلسلة طويلة من المعلومات ربما لا أعيها بحكم التخصص ولكنها أيضاً غير مفيدة
والقصد من هذا بأني أنا كغير متخصص لا يهمني تلك التفاصيل المهمة و الهامشية، أرغب بإنجاز المهمة بأسرع وأسهل طريقة وشكراً لك.
ساعدني لذلك أو اعتذر بلطف.
تجده أيضاً يستعين بكلمات مثل: يفضل، ممكن، احتمال وارد والخيارات لا تنتهي من الاحتمالات!
يبتعد عن الكلمات المباشرة والتي تستلزم اتخاذ قرار مباشر؛ افعل ذلك على ضمانتي لأني مجرب.

هذه الطريقة في التعامل بغض النظر عن سببها؛ مجهد بالعمل أو لديه صفة التكاسل يعتبر تعامل بجودة منخفضة؛ لأنه يبحث عن أبسط الحلول للخروج من المأزق الذي هو فيه بأقل الخسائر، لا يستطيع أن يقول لا بصرامة أو أن يجيبك بوضوح تام.

ما الذي جعلني أفكر بهذا الأمر أو أن أكتب مثل هذه الكتابة!
أنها أصبحت رائجة في الآونة الأخيرة.
يتخذ هذا المخرج الساذج حتى يحبطك عن طلب مساعدته.
فإن قابلت مثل هؤلاء؛ فالزم الصبر وحاول أن تستغني عن سؤالهم وطلب مشورتهم؛ لأنه يستنزف وقتك في الحديث ولا تخرج منه بفائدة وللأسف.


بوح شخصي

اشعر باختناق مؤلم.
الرياض تخنقني.
عبّرت عن هذا الاختناق وهذا الشعور بوضوح لكن دون معين.
دون أن يعي ودون أن يدرك أحد هذا الوجع الرهيب.
أدركت لاحقاً بأن الإنسان حرّ نفسه؛ 
بقراراته واختياراته.

الكل يعتقد بأنه يرغب الأفضل لك.
ينصحك، يرشدك لكن لا أحد ينبغي أن يملي عليك ما يجب فعله ولو من باب النصيحة.
حيث المعطيات مختلفة، والظروف ليست واحدة.
يكفي أن تسمع لها وتستمع إليها فحسب.
وافعل ما شئت حيث أنت لوحدك في هذه الحياة الدنيا والآخرة.

راودتني نفسي على إيذاء نفسي تارة.
وراودتني للرحيل والارتحال تارة أخرى.
أفكاري كثيرة وطموحاتي لا تنتهي.
وأنا حيث أقبع هنا لا أكاد أجد لها حيّزاً للاحتواء.
فقررت التريّث علّي أكافئ على هذا الصبر.
نعم الوقت يمضي، والعمر كذلك.

والاستعجال في هكذا قرارات ناجم عن عدم بصيرة بل حماقة.
وأكثر ما يزعجني في هذه الفترة؛ هو الصبر دون خارطة طريق واضحة.
يكفي أن نصبر ونصطبر ونتصابر ونستشعر جميع معاني الصبر.
ستكون النهاية سعيدة بإذن الله.
ستكون الخاتمة استثنائية بإرادة الله.
تفاءل فحسب.


وفي ختام القول أقول..
نحن نتاج أفعالنا.
نحن نتيجة ممارسات وجهود متراكمة لا يعلم بها أحد.
لنبذل الأسباب الحسية والمعنوية؛ الدعاء وقرع الأبواب.
لا تعوّل على أحدٍ من البشر مطلقاً؛ لا تثق بهم أبداً.
فلتثق بالله فهو خير سند وخير معين.

فراشة الأدب ومأزق الحب

 من عجائب النفس البشرية هي تلك حكاية الحب التي سطّرتها مي زيادة.
مي الفاتنة والجميلة.
مي المثقفة والمتمردة.
مي فراشة الحب والأدب.


بصالونها المعتاد الذي جمع النخب من العقول كل يوم ثلاثاء.
حيث تبنّت الفكرة النسوية؛ وناضلت لأجلها.
أحبّها العقاد والرافعي، وكتبوا إليها ما تختلج به مشاعرهم.
وشوقي وصبري شعروا لها الأشعار على النوع الآخر من الأدب.
وبدل أن تبادلهم المحبة، أن تشاطرهم أحاسيسهم المرهفة.
أحبّت شخصاً آخر.
لم تلتقي به مطلقاً.
سوى بالرسائل والنصوص.
كيف يعقل أن تقع هذه الذكية في هذا المأزق من الحب غير المحسوس،
غير الملموس سوى بالجمل والحروف!
غريب هو أمر هذا الحب.


بدأت الحكاية برسالة محاباة كانت قد كتبتها لجبران إثر قصيدة قد نشرها في الصحيفة.
رسالة تلو رسالة، ومشاعر متراكمة.
حتى تجاوزت الثلاثين من العمر؛ تجرأت على أن تبوح بمشاعرها الدفينة.
برسالة تقول فيها:
" ما معنى هذا الذي أكتبه؟ إني لا أعرف ماذا أعني به، ولكني أعرف أنك محبوبي، وأني أخاف الحب. أقول هذا مع علمي أن القليل من الحب الكثير. الجفاف والقحط واللاشيء بالحب خير من النزر اليسير، كيف أجسر على الإفضاء إليك بهذا. وكيف أفرط فيه؟ لا أدري.
الحمد لله أني أكتبه على الورق ولا أتلفظ به لأنك لو كنت الآن حاضراً بالجسد لهربت خجلاً بعد هذا الكلام، ولا اختفيت زمناً طويلاً، فما أدعك تراني إلا بعد أن تنسى حتى الكتابة ألوم نفسي عليها، لأني بها حرة كل هذه الحرية.. أتذكر قول القدماء من الشرقيين: إن خير للبنت أن لا تقرأ ولا تكتب "

ثم يرد عليها ضمن رسائله:
" أنت تعلمين أن القلب البشري لا يخضع إلى نواميس القياسات والمسافات، وأنّ أعمق وأقوى عاطفة في القلب البشري تلك التي نستسلم إليها، ونجد في الاستسلام لذة وراحة وطمأنينة مع أننا مهما حاولنا لا نستطيع تفسيرها أو تحليلها، يكفي أنها عاطفة عميقة قوية قدسية
؛ لا تخافي الحب يا ماري، لا تخافي الحب يا رفيقة قلبي، علينا أن نستسلم إليه رغم ما فيه من الألم والحنين والوحشة، ورغم ما فيه من الالتباس والحيرة.
أنا أعلم أنّ القليل في الحب لا يرضيك، كما أعلم أن القليل في الحب لا يرضيني، أنت وأنا لا ولن نرضى بالقليل، نحن نريد الكثير، نحن نريد كل شيء، نحن نريد الكمال "


وقعت حينها بالحب؛ وقعت في حقيقة الأمر بالأسر!
تعلّقت به كثيراً دون أن تنفك عنه إلا أن تلك العلاقة أصابها نوع من الخلل لحين إصابة جبران بالمرض.
الأمر الذي جعلها تقف بجانبه ولم تتركه في محنته بل أحاطته بمزيد من عواطف الحب تارة وحنان الأمومة تارة أخرى!

أهملت المحبوبين جميعهم الشعراء والمفكرين إلا جبران.
انتكست عندما علمت بموت محبوبها البعيد،
وتجرعت محن ومصائب من القريب والبعيد.
حتى أنها أرسلت رسالة لابن عمها في لبنان تقول له:
"منذ مدة طويلة لم أعد اكتب. وكلما حاولت ذلك شعرت بشيء غريب يجمّد يدي ووثبة الفكر لدي، إني أتعذب شديد العذاب يا جوزيف ولا أدري السبب، فأنا أكثر من مريضة، وينبغي خلق تعبير جديد لتفسير ما أحسّه فيّ وحولي. إني لم أتألم في حياتي كما أتألم اليوم، ولم أقرأ في كتاب من الكتب أن في طاقة بشري أن يتحمل ما أتحمله. وددت لو علمت السبب على الأقل. ولكنني لم أسأل أحداً إلا وكان جوابه: لا شيء إنه وهم تمكّن مني..."

وما كانت تلك الرسائل إلا ميثاق حب عذري بين كاتبين سطّرا أعجوبة الحب دون أن يحدث لقاء أو اجتماع بينهم يتيم أو وحيد.

الأحد، 17 أكتوبر 2021

أبناء الثقافة الثالثة

 ماذا يعني لك أن تعيش نصف هوية؟
ونصف شخصية؟
ونصف جنسية؟
هو تماماً كما قال جبران: النصف هو لحظة عجزك وأنت لست بعاجز؛ لأنك لست نصف إنسان.. أنت إنسان.. وجدت كي تعيش الحياة. وليس كي تعيش نصف حياة!

سمعت مؤخراً لبودكاست أصوات وتحديداً حلقة مفقود.
عشت قصة عيدروس بكامل تفاصيلها؛ حزنت عندما اضطر الذهاب من
منجا بيسار إلى حضرموت، تعجّبت حينما امتلك حذاءً من نوع (باتا) دون أن يستخدمه، وابتسمت تارة أخرى عندما انجلت غمامة الكدر وسوء التواصل مع والده عند زيارته لأندونيسيا.
أعدت الاستماع إليها مجدداً، مجدداً علّني أجد المبرر الذي يدفع  ابنه عبدالرحمن ليتوارى عن حياة اجتماعية خوفاً من تنمّر يصيبه دون أن يكون له يد فيها!
هي أقدار ساقها الله للبشر من حيث النسب، الجمال، الحالة الاجتماعية، المادية، والجنسية.
أن ترى نفسك بعين التعظيم كونك تحمل جنسيتها لا يجعل منك شخصاً ناجحاً من حيث البقعة الجغرافية التي ينتمي إليها المواطن والمقيم الذي ولد في تربتها وترعرع في أرضها وتشرّب من عاداتها وثقافتها حتى أصبح هو و الوطن متلازمين لا إلى حدّ الشبه بل إلى حدّ الانتماء والولاء الذي يشعر به الرضيع مع ثدي أمه.

تعرّف عالمة الاجتماع الأمريكية روث هيل يوسيم أبناء الثقافة الثالثة بأنهم الأطفال الذين يقضون سنوات تكوينهم الأولى في أماكن ليست هي موطن آبائهم وأمهاتهم.
وهو أيضاً الاسم الذي يطلق على الأطفال الذين نشأوا في ثقافات غير ثقافات والديهم أو تلك التي قد تكون موجودة على جوازات سفرهم.

تتحدث نديلا فاي من أم فنلندية وأب سنغالي والمولودة في فنلندا والمستقرة في لندن في قصة نشرتها على الجارديان عن الأقنعة المختلفة التي ترتادها في كل مرة يسأل عن موطنها؛ تقول: هو أقرب إلى الشعور بالتحرر من خلال إعادة ابتكار نفسي إلا أنها تمثّل لي معضلة في هويتي والتعريف بمن أنا؟ لأني ثنائية العرق، ونظراً لأنني لم أعش في السنغال مطلقاً، أشعر بالغرابة عندما أقول إنني من هناك.


أبناء الثقافة الثالثة هم ضحيّة آباء وأمهات خرجوا للبحث عن لقمة العيش خارج أوطانهم؛ الدبلوماسيين، البسطاء ذووالأحلام الكبيرة أو أحلام العصافير على حد سواء، من تعايشوا مع عادات البلد واستوطنت أرواحهم وترسّخت عبرها اللغة والثقافة والقيم إلا أنها في نهاية المطاف تظل ثقافة هجينة لا تصل إلى مرحلة الاعتراف المطلق بل إلى هُويّة تبنى وفق وعي الفرد أو أصحاب المصلحة وأحياناً كثيرة إلى الوعي الجمعي المتراكم بالسلب أو الإيجاب.


هي تفاصيل غاضبة ستبقى ساكنة ولن تخرج ولن تسبب بفعلها الاحتقان أو الكره وردّة فعل غاضبة؛ هي تفاصيل وتساؤلات يعيشها من ينتمي إلى ثقافة الطفل الثالث الذي لا ينتمي لا إلى موطن ولادته أو موطن جنسيته الذي حملها مضطراً دون معيّة ودون أي رغبة وإدراك.
 قام عالما الاجتماع الأمريكيان ديفيد بولوك وروث فان ريكين بنشر كتاب "أطفال الثقافة الثالثة: النشأة بين العوالم" في عام 1999، واستنتجوا أن لديهم رؤية أوسع للعالم ويكونون أكثر وعياً ثقافياً لكن مع ذلك يمكن لهذا الشعور أن يولّد قلقاً وإحساساً بعدم الانتماء وهو ما يسبب مضاعفات شخصية ونفسية.

وحتى نكون أكثر تفاؤلاً؛ أبناء تلك الثقافة رغم التحديات والصعوبات المواجهة إلا أنها تعتبر قيمة مضافة من حيث التنوّع الأيدولوجي، التقاطع الثقافي والأرضيات المشتركة للفرد مع الجماعة بما يتلاءم مع المشهد؛ فهم أكثر انفتاحاً وتقبّلاً للآخر من غيرهم.
وجد استطلاع عبر الإنترنت أجرته مجلة (
Denizen) في عام 2011، وهو منشور يستهدف الأشخاص المنتمين للثقافة الثالثة في أن معظم المشاركين البالغ عددهم 200 شخص حصل معظمهم على درجات علمية، و 30٪ لديهم مؤهل دراسات عليا و 85٪ يتحدثون لغتين أو أكثر. كذلك تساعد هذه السمات في جعل أبناء الثقافة الثالثة أكثر جذابة لأصحاب العمل.

لذلك هي مسألة ليست بالسهلة الخوض في دهاليزها المتشعبة بما تحملها من جوانب سياسية، اقتصادية، اجتماعية وثقافية، ولكنها تتطلّب حتماً إلى الثقة الكامنة بالنفس وبترسيخ مبدأ التعايش وفق القيم والمبادئ الحسنة دون تعميم جوانب الكره لثلّة متعصّبة تندّد بالمبدأ الصهيوني: " نحن شعب الله المختار ".

لا تثقلوهم بعصبيتكم الجاهلية.
كفانا تعصّب.
هم منكم وفيكم وإليكم؛ شئتم أم أبيتم.
سواء أُخذت من زاويتها الدينية أو زاويتها العقلانية المتجسدة في التجربة البشرية.

الأربعاء، 21 يوليو 2021

العيد ‏عيدين

كان يوماً رطباً من شهر يوليو والساعة تشير إلى الثالثة صباحاً.
الجميع في هذا التوقيت يؤدي دوره باجتهاد لأجل الاستعداد ليوم العيد ؛ عداي أنا، فلم أفعل ذلك. رحت أركب طائرةً متوجهةً إلى موطن الطمأنينة والسلام إلى مدينة الرسول عليه الصلاة والسلام.
رغبت في أن تكون هذه السنة سنة استثنائية، متفردة لا تتكرر دائماً؛ كان العاشر من ذي الحجة المباركة هو يوم ميلادي!اجتمع العيدين في شخص واحد؛ عيد الأضحى وعيد ميلادي.
وهذه المصادفة إنما هي إشارة ربّانية على تحقيق فرج حان أوانه (بإذن الله)

ولكن لحالتي النفسية المضطربة عزمت على أن ابتهج لوحدي دون غير
ي.
تلك المشاعر التي تفضي إلى الوحدة في عيد الميلاد قد تبدو مرعبة لأنها تبعث للتفكير، للتساؤلات وغالباً دون الحصول على تلك  الأجوبة.
فكرت ملياً بأن العيد في حضرة جدّي النبي عليه أشرف الصلاة والتسليم قد يكون ملاذاً آمناً.. من وحشة الأفكار العبثية، المخاوف المستقبلية والمرحلة المبهمة.
الأمر يتطلب بطبيعة الحال إلى تهذيب في السلوك، استعادة اليقين بالله وفي العلاقة كاملةً والمنظومة متكاملة من الصبر على الطاعات و المعاصي.

أميل إلى الزهد والتزهد.
هذا ما 
أدركته في الآونة الأخيرة.
بأنّي
 لم أعد أطيب الحياة كما كنت أفعل دوما، هذا لا يعني بأن أعيش حياة مزرية وبائسة ولكن في استشعاري كوني عابر سبيل لحياة لا تتجاوز المائة سنة، هذا وقد ذهب مني الثلث ويتبقى الثلثين على أكثر تقدير.

أزعم بأني قد هرمت فجأة، نضجت صدفة.
لم تكن تساورني هذه الأفكار من 
قبل لأني كنت أتطلع للحياة ببهجتها الآنية واللحظية والآن أفكر ملياً بآخرتي، بعاقبتي إذ إني لست إلاعابر سبيل فحسب.
حتى قراءاتي أصبحت مختلفة، أكثر تفرداً. لم تعد تغريني الفلسفة بشتى أنواعها أو السياسة بمختلف توجهاتها أو السير الذاتية بكافة مبالغاتها.
العشق، الحب والهيام هو قراءاتي
 الحالية.
لا أقصد طبعاً حب امرؤ القيس لليلى أو عنتر لعبلى بل هو عشق إلهي يتمثل في عبارة واحدة فقط..
عبارة واحدة جسدت المفهوم للحلاج عندما قال:
فليت الذي بيني وبينك عامر

وبيني وبين العالمين خراب

العيد بمسرّاته وفرحاته إنما يتحقق بالسلام الداخلي سواء كنت وحيداً أو مع مجموعة من البشر.